حقيقة العلاقة بين الظاهر والباطن

 

 

 

تهذيب فصل

{حقيقة العلاقة بين الظاهر والباطن }

من كتاب

ضوابط التكفير

عند أهل السنة والجماعة

تأليف

الدكتور :عبد الله بن محمد القرني

تقديم

العلامة : سفر الحوالى

 

 

 

 

تمهيد

ليس كل من تلبس بشيء من مظاهر الكفر يكون كافراً ولا بد، بل لا بد من التفريق بين الحكم على الفعل بأنه كفر، وبين الحكم على الفاعل بأنه كافر، للاختلاف في متعلق كل من الأمرين.

فالحكم على الفعل الظاهر بأنه كفر متعلق ببيان الحكم الشرعي مطلقاً، وأما الفاعل فلا بد من النظر إلى قصده بما فعل، والتبين عن حاله في ذلك، قبل الجزم بتكفيره.

…لكن لا يقال هنا أن مقتضى اشتراط النية في الحكم على المعين بالكفر تعليق للحكم بالتكفير على أمر باطن، لا يمكن أن يعلم أو يطلع عليه.

…وذلك أن الظاهر والباطن متلازمان عند أهل السنة، لكن مع توفر شروط وانتفاء موانع، فلا يقولون بالتلازم مطلقاً، كما لا يقولون بعدم التلازم مطلقاً أيضاً.

…فالنية في أصلها أمر باطن، لكنه يمكن التحقق منها بتوفر شروط ظاهرة، إذا تحققت حكم على الباطن بحسبها.

وتتلخص تلك الشروط التي يحكم بالتلازم بين الظاهر والباطن معها، ويحكم على الباطن بالفعل الظاهر ، ويحكم بأن النية في الباطن لابد أن تكون موافقه للظاهر، فيحكم على الباطن بما تحقق من الكفر في الظاهر.

…نقول يحصل كل ذلك مع تحقق أمرين:

الأول: قيام الحجة على المعين، بحيث لا يكون معذوراً بجهل ولا تأول.

الثاني: ألا يكون مكرهاً بحيث يكون معذوراً بالتقية.

حقيقة العلاقة بين الظاهر والباطن

…وقع الاختلاف في الحكم على الناس بحسب الاختلاف في حقيقة العلاقة بين الظاهر والباطن.

…فهناك من يرى أن الحكم على الناس بالكفر إنما يكون على الباطن. وأن مجرد العمل الظاهر ليس دليلاً قاطعاً عليه وهم المرجئة

…وهناك من يرى أن الظاهر والباطن صورتان لحقيقة واحدة، وأنه يحكم على الباطن بمجرد العمل الظاهر مطلقاً وهم الخوارج

…وهذان قولان متضادان متناقضان، وبينهما منهج أهل السنة وهو أنه لابد في الحكم على الناس بالكفر من اعتبار الظاهر والباطن معاً. وأن الظاهر والباطن متلازمان لكن ليس بإطلاق، بل مع توفر شروط وانتفاء موانع. ولا بد من تفصيل القول في هذه المناهج:

أولاً: من يقول بعدم التلازم بين الظاهر والباطن:

وهو منهج المرجئة. وأصل قولهم في حقيقة التلازم بين الظاهر والباطن ناتج عن قولهم في حقيقة الإيمان. فقد قالوا إنه التصديق، وإن العمل الظاهر ليس لازماً لتحقيقه، بل يكون الإيمان كاملاً في الباطن دون أن يكون له في الظاهر.

وتبع ذلك فيما يتعلق بحقيقة الكفر قولهم إنه التكذيب.

والتكذيب أمر باطن، ومجرد العمل الظاهر ليس قاطعاً في الدلالة عليه. بل كما كان السبيل إلى معرفة الإيمان الباطن هو الإقرار. فالسبيل إلى معرفة الكفر ليس إلا إعلانه وإظهاره باللسان، وأما مجرد العمل فلا يكفي في الدلالة عليه، فكما لم يجعلوا العمل الظاهر لازماً للإيمان، فكذلك الكفر ـ الذي هو عنهم حقيقة باطنة ـ ليس لازماً للعمل الظاهر لذاته.

ثانياً: من يقول بالتلازم المطلق بين الظاهر والباطن:

وهو منهج الخوارج وحقيقة هذا القول هي أن الظاهر حاكم على الباطن بإطلاق. إذا هما صورتان لحقيقة واحدة. وإذا كانت الأحكام متعلقة بالظاهر، ولا يمكن الاطلاع على الباطن، فإنه يحكم على الباطن بمجرد العمل الظاهر. لأن الباطن صورة مطابقة للظاهر. وعليه فإذا تلبس المعين بعمل من

أعمال الشرك في الظاهر، فلا بد أن يكون مشركاً في الباطن دون نظر إلى تحقق شروط أو انتفاء موانع.

ثالثاً: منهج أهل السنة التلازم بين الظاهر والباطن :

وأما أهل السنة فوسط بين هذين المنهجين، يقولون بالتلازم بين الظاهر والباطن، ولكن مع توفر شروط وانتفاء موانع. فلا يجعلون الحكم على مجرد العمل الظاهر دون اعتبار بقصد صاحبه. كما لا يربطون الأحكام بالنية والقصد الباطن الذي لا سبيل للوقوف عليه.

فهم يعتبرون العمل والنية معاً، ويجعلون التحقق منهما معاً ـ بضوابط شرعية ـ شرطاً في الحكم على المعين. ولا يكفي في الحكم على المعين مجرد العمل الظاهر بإطلاق. كما لا يكفي في الحكم عليه مجرد الباطن في حال العلم به، ولا يكون ذلك إلا بوحي من الله، وقد انقطع الوحي، بل لابد مع العمل الظاهر من التحقق من القصد. ثم إن للعمل الظاهر مع القصد أحوال مختلفة، لا حال واحدة. فقد يكون  العمل الظاهر غير دال على القصد به أصلاً، وليس هو من أعمال الكفر الظاهرة. مع أن القصد به مفكر. وقد يكون العمل الظاهر كفراً ظاهراً ولا يحتمل في القصد به غير الكفر. وقد يكون العمل محتملاً أن يكون كفراً أو معصية. كما قد يكون القصد بالعمل الظاهر من أعمال الكفر محتملاً للكفر وعدم الكفر. فهذه أربعة أحوال لابد من التفريق بينها وعدم لبس بعضها ببعض. وهذا بيان أحكامها على التفصيل:

الحالة الأولى: الكفر الباطن.

…وذلك كحال المنافقين، الذين هم في حقيقة أمرهم كفار، لكن لا يمكن الحكم عليهم بالكفر لتظاهرهم بالإسلام.

…بل إن النبي صل الله عليه وسلم كان يعرف بعض المنافقين بأعيانهم، وكان يعاملهم معاملة المسلمين، مع أنه مؤيد بالوحي. وهذا يدل على إجراء الأحكام على الظاهر، وأنه الأصل المعتبر في الحكم على الناس.

…يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: ( إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصاً، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عموماً، فإن سيد البشر مع إعلامه بالوحي يجري الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم ،ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه.

…لا يقال: إنما ذلك من قبيل ما قال: ( خوفاً من أن يقول الناس أن محمداً يقتل أصحابه ) فالعلة أمر آخر لا ما زعمت، فإذا عدم ما علل به فلا حرج.

لأننا نقول: هذا من أدل الدليل على ما تقرر، لأن فتح هذا الباب

يؤدي إلى أن لا يحفظ ترتيب الظواهر، فإن من وجب عليه القتل بسبب ظاهر فالعذر فيه ظاهر واضح، ومن طلب قتله بغير سبب ظاهر بل بمجرد أمر غيبي ربما شوش الخواطر وران على الظواهر، وقد فهم من الشرع سد هذا الباب جملة.

…ألا ترى إلى باب الدعاوي المستند إلى أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، ولم يستثن من ذلك أحد، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتاج في ذلك إلى البينة، فقال من يشهد لي ؟ حتى شهد له خزيمة بن ثابت، فجعلها الله شهادتين، فما ظنك بآحاد الأمة، فلو ادعى أكذب الناس على أصلح الناس لكانت البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وهذا من ذلك، والنمط واحد، فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية ) (الموافقات)) للإمام الشاطبي (2/271-272)

…ولكن هاهنا مسألة، وهي أن العلماء قد اختلفوا في قبول توبة الزنديق، وهل يكفي مجرد تظاهره بالإسلام، مع كثرة ما يرتد عن الإسلام، أم لا يعتبر ذلك ظاهراً يمنع من الحكم بكفره ؟.

…واختلافهم في حكمه إنما هو فيما يتعلق بأحكام الدنيا، وأما في الآخرة فإذا تاب حقاً فإن التوبة تجب ما قبلها، ولا يملك أن يمنعه منها مخلوق، وقد قال تعالى: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا } ] الزمر / 53 [.

…فمن العلماء من يرى أنه مهما تكررت ردته وتظاهر بالإسلام قبل ذلك منه، وكان رجوعه عن كفره مهما تكرر كافياً لعصمة دمه وكونه مسلما(انظر في ذلك قول الإمام الشافعي رحمه الله ((الأم)) (16/171)

…ومن العلماء من يرى أنه يقتل إذا تكرر من ذلك، ولو أظهر الإسلام لأن إظهاره للإسلام بعد القدرة عليه قد بطلت دلالته بكثرة ما أظهره من الكفر(انظر في ذلك قول الإمام ابن تيمية والإمام ابن القيم ((الصارم المسلول)) (2/345) وما بعدها. و ((أعلام الموقعين)) (3/131) وما بعدها.

…ومن تأمل أقوال العلماء في هذه المسألة وجد أنه لا خلاف  بينهم في مناط الحكم، وهو اعتبار الظاهر في الحكم على الناس، وإنما اختلفوا في تحقيق ذلك المناط فيما يتعلق بالزنديق، فمنهم من يرى أن ظاهره الإسلام لتظاهره بذلك. ومنهم من يرى أن ظاهرة خداع المسلمين، لا الرجوع إلى الإسلام. ولهذا لم يجزم من قال بقتله أنه لابد أن يكون كافراً في الباطن.

الحالة الثانية: الدلالة القطعية للظاهر على الباطن.

…وذلك كسب الله أو رسوله أو دينه، فإن ذلك كفر ظاهر، ولا يمكن أن يصدر عن مؤمن يحب الله ورسوله ودينه. فإن السب بغض وكراهية، ولا يكون إيمان أبداً في قلب من لم يحب الله ورسوله ودينه. ولا ينظر هنا إلى استحلاله أو عدمه، فإن السب كفر بذاته، وهو دال دلالة قطعية على قصد من تلبس به، وإذا اجتمع الكفر الظاهر مع القطع بأن القصد غير محتمل غير ما به الكفر لزم تكفير من تحقق منه ذلك.

يقول الشيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تهافت قول من يشترط الاستحلال في سب الله أو رسوله: ( الوجه الرابع: أنه إذا كان المكفر هو اعتقاد الحل فليس في السب ما يدل على أن الساب مستحل، فيجب أن لا يكفر، لا سيما إذا قال: أنا أعتقد أن هذا حرام، وإنما أقول هذا غيظاً وسفهاً أو عبثاً أو لعباً. كما قال المنافقون: { إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } ] التوبة / 65 [. وكما إذا قال: إنما قذفت هذا وكذبت عليه لعباً وعبثاً. فإن قيل لا يكونون كفاراً فهو خلاف نص القرآن، وقول القائل: أنا لا أصدقه في هذا لا يستقيم، فإن التكفير لا يكون بأمر محتمل، فإذا كان قد قال: أنا اعتقد أن ذلك ذنب ومعصية، وأنا أفعله، فكيف يكفر إن لم يكن ذلك كفراً ؟ ولهذا قال سبحانه وتعالى: {لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ( ] التوبة /66 [، ولم يقل قد كذبتم في قولكم، إنما كن نخوض ونلعب، فلم يكذبهم في هذا العذر كما كذبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر لو كانوا صادقين، بل بين أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب (الصارم المسلول)) لشيخ الإسلام ابن تيمية (2/516-517).

…ويقول أيضاً: ( إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهراً وباطناً، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده. هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل  (الصارم المسلول)) لشيخ الإسلام ابن تيمية (2/516-517).

…وسر المسألة أن الساب لا يمكن أن يكون معذوراً بجهل أو تاول، بل ذلك مما يناقض أصل الرضى بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، فليس السب مما يمكن فيه احتمال أن يتعلق بمناط غير نقض أصل الدين، فكان ولابد كفراً لذاته.

الحالة الثالثة: الاحتمال في الفعل الظاهر.

…وذلك بأن يكون الفعل داخلاً في عموم المخالفة، لكن لا يكون قاطعاً في الدلالة على أنه كفر، ولأن هذه الحالة والتي بعدها مدار نقاش وجدل، فلا بد من تفصيل القول فيها بعض الشيء بذكر بعض الأمثلة ومنها0

الدليل الأول :  فعل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، ومكاتبته لقريش بأمر مسير الرسول صلي الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة. فإنه في عمومه موالاة للكافرين، لكن ليس فعله قاطعاً في الدلالة على موالاتهم على دينهم، التي هي مناط التكفير بالموالاة، بل يحتمل أن يكون والاهم تقية ومصانعة لهم من غير موجب من إكراه على ذلك. بل لطلب مصلحة دنيوية، وهي حفظ أهله وماله بمكة، مع بقائه على أصل الإسلام، وهذا هو الذي كان منه رضي الله عنه. ولأجل هذا الاحتمال لم يحكم

عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالكفر مع احتمال فعله لغير الكفر، بل سأله: ((ما هذا يا حاطب ؟ قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امراءاً من قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه قد صدقكم. فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال: إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ” (البخارى).

فما فعله حاطب رضي الله عنه بعد تبين النبي صلى الله عليه وسلم عن حاله إنما هو معصية وليس بكفر، ولذلك كان شهوده بدراً مكفراً لتلك السيئة، ولا يقال إن فعله كان كفراً، وإن المانع من تكفيره كان شهوده بدراً، فإن الكفر لا يبقي معه حسنة، كما قال تعالى { وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } ]المائدة/5[.

ولا يقال أيضاً إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم ” إنه قد صدقكم” خاص بحاطب رضي الله عنه لعلمه بحقيقة أمره، فلا يكون الحكم فيمن فعل فعله كالحكم في شأن حاطب رضي الله عنه. بل إنما حكم الرسول صلى الله عليه وسلم فيه بالظاهر لا بأمر باطن، وظاهرة ليس كفراً، بل معصية تحتمل الكفر. ومثل هذا لابد فيه من التبين عن حال المعين، وهذا حكم مطلق في حاطب وفي غيره.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله: ( في هذا الحديث مع ما وضحنا لك طرح الحكم باستعمال الظنون، لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال من أنه لم يفعله شاكاً في الإسلام، وأنه فعله ليمنع أهله، ويحتمل أن يكون زلة لا رغبة عن الإسلام، واحتمل المعنى الأقبح(يعني الكفر). كان القول قوله فيما احتمل فعله، وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بأن لم يقتله ولم يستعمل عليه الأغلب. ولا أحد أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذه، لأن أمر رسول الله صلى الله وسلم مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده، فإذا كان من خابر المشركين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريد غرتهم، فصدقه، وما عاب عليه الأغلب مما يقع في النفوس، فيكون لذلك مقبولاً، كان من بعده في أقل من حالة وأولى أن يقبل منه مثل ما قبل منه ).

…قيل للشافعي: ( أفرأيت إن قال قائل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قد صدق إنما تركه لمعرفته بصدقه، لا بأن فعله كان يحتمل الصدق وغيره.

…فيقال له: قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المنافقين كاذبون، وحقن دماءهم بالظاهر، فلو كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم في حاطب بالعلم بصدقه كان حكمه على المنافقين القتل بالعلم بكذبهم، ولكنه إنما حكم في كل بالظاهر، وتولى الله عز وجل منهم السرائر، ولئلا يكون لحاكم بعده أن يدع حكماً له مثل ما وصفت من علل الجاهلية ) (الأم)) للإمام الشافعي (4/264).

الدليل الثانى :  ومن الأمثلة الدالة على لزوم التبين عن حال المعين إذا ظهر منه ما يحتمل الشرك، وعدم الجزم بتكفيره قبل ذلك، قصة معاذ رضي الله عنه وسجوده للنبي صلى الله عليه وسلم عن  عبد الله بن أبي أوفى قال: (( لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم قال: ما هذا يا معاذ ؟ قال: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال النبي

صلى الله عليه وسلم: فلا تفعلوا. فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )) .. الحديث() أخرجه أبو داود،). والحاكم  وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وقد استوفى الكلام فيه وجمع طرقه الشيخ الألباني في إرواء الغليل، (7/55-58) وصحح الحديث )

…فهذا معاذ رضي الله عنه يسجد للنبي صلى الله عليه وسلم، تعظيماً له، لما رآه من حال أهل الكتاب مع علمائهم. لكن معاذ رضي الله عنه لم يكن يقصد قطعاً عبادة النبي صلى الله عليه، والتقرب إليه كما يتقرب إلى الله بالسجود. فلما علم الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إنما أراد التعظيم نهاه عن تعظيمه بالسجود له، فكان ذلك نسخاً لسجود التعظيم والتحية، فقد سجد أبوا يوسف وإخوته له. بل أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم، وليس ذلك سجود عبادة، وإنما هو سجود تعظيم وتكريم.

…قال الإمام ابن كثير: ( قال قتادة في قوله تعالى {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ} فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم. أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته. وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام كما تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية، ولكنه نسخ في ملتنا. قال معاذ: …….. وذكر الحديث السابق ) (تفسير الإمام ابن كثير)) (1/78).

…وبهذا يتبين أن مجرد السجود لا يستلزم العبادة، وأن من سجد لغير الله لا يلزم أن يكون عابداً له. ولا يكون مشركاً، إلا إذا قصد بسجوده العبادة والتقرب لغير الله، أما مجرد السجود للتعظيم فهو بعد نسخة حرام، لكنه ليس شركاً، لأن الشرك لا يحتمل الجواز والنسخ، وإنما يكون ذلك في الشرائع.

…يقول الإمام ابن تيمية من كلام طويل عن هذه المسألة: ( … فكيف يقال يلزم من السجود لشيء عبادته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها )). ومعلوم أنه لم يقل: لو كنت آمرآ أحداً أن يعبد ) (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)) (4/360).

…ولما كان السجود لغير الله في الظاهر غير دال قطعاً على عبادة غير الله، بل قد يحتمل غيرها، فإنه لا يمكن تكفير المعين بفعل محتمل، غيره، فإنه يكون مشركاً غير معذور بجهله. والكلام هنا إنما هو في القطع في دلالة السجود على التقرب إلى غير الله بالعبادة مطلقاً. فلابد من التفريق بين ما هو خاص لله تعالى، بحيث يكون صرفه لغيره شركاً وبين ما يجوز لغيره.

…يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك فيما يتعلق بالسجود: ( أما الخضوع والقنوت بالقلوب والاعتراف بالربوبية والعبودية فهذا لا يكون على الإطلاق إلا لله سبحانه وتعالى وحده. وهو في غيره ممتنع باطل.

…وأما السجود فشريعة من الشرائع، إذا أمرنا الله أن نسجد له. ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير، طاعة لله عز وجل، إذا أحب أن نعظم من سجدنا له. ولو لم يفرض علينا السجود لم يجب البتة فعله، فسجود الملائكة لآدم عباده لله وطاعة له، وقربة يتقربون بها إليه، وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم. وسجود إخوة

يوسف له تحية وسلام، ألا ترى أن يوسف لو سجد لأبويه تحية لم يكره له ؟ ) ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)) (4/360).

قلت { ويدخل فيه كل قول او فعل يتصور فيه ان المرء يجهله او يحتمل التأويل والخطأ

الحالة الرابعة: الاحتمال في القصد.

…في هذه الحالة يفترق الحكم على الفعل عن الحكم على الفاعل. فقد يكون الفعل كفراً بالأدلة الشرعية على ذلك، لكن لا يكون القصد بالفعل مطابقاً للفعل.

…ومتعلق هذه الحالة هو ما كان مناط التكليف فيه بالحجة الرسالية على التفصيل. سواء كان ذلك من الأمور الاعتقادية أو العملية.

…ومن أدلة هذا الأصل:

الدليل الأول :  الحديث المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا انا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح، فو الله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً. فلما مات فعل به ذلك. فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت ؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر له )) (أخرجه البخاري).

…فهذا الرجل ظن أنه إذا أحرق وذري به لم يقدر الله على بعثه. لكن لما يكن اعتقاده ناقضاً لتوحيده وأصل دينه، الذي هو مقتضى الإقرار المجمل، وإنما يعلم ما جهله وتأول فيه ـ وهو قدرة الله على بعثه ـ من طريق الحجة الرسالية على التفصيل لم يكفر.

…فمع أنه كان منكراً لعموم قدرة الله على البعث. لكنه لم يكن هو مكذباً بذلك ، لما حصل له من الشبهة، فلا يكون كافراً. فمجرد كون الوصف الشرعي لفعله أنه كفر لا يلزم منه أن يلحق به ذلك الوصف على التعيين، إلا مع توفر شروط وانتقاء موانع. ومن الموانع من تكفير المعين في هذا المثال جهله بتفاصيل ومقتضيات قدرة الله تعالى .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( هذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك. وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى، وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر، لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلاً بذلك، ضالاً في هذا الظن مخطئا، فغفر الله له ذلك .

…والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك. وأدنى هذا أن يكون شاكاً في المعاد، وذلك كفر إذا قامت حجة النبوة على منكره حكم بكفره.

… فغاية ما في هذا أنه كان رجلاً لم يكن عالماً بجميع ما يستحقه الله من الصفات، وبتفصيل أنه القادر. وكثير من المؤمنين قد يجهل مثل ذلك فلا يكون كافراً ) (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)) (11/409-410).

…ويقول الإمام ابن الوزير في معنى الحديث: ( إنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد، ولذلك خاف العقاب. وأما جهله بقدرة الله تعالى على ما ظنه محالاً فلا يكون كفراً، إلاّ لو علم أن الأنبياء جاؤوا بذلك، وأنه ممكن مقدور، ثم كذبهم أو أحداً منهم، لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}. وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل ) (إيثار الحق على الخلق)) ابن الوزير (ص/436)

…ويقول الإمام ابن القيم في معنى الحديث بعد أن ذكر كفر الجحود العام للشريعة، وكفر الجحود الخاص المقيد بفريضة من فرائض الله أو صفة من صفاته: ( وأما جحد ذلك جهلاً أو تأويلاً يعذر فيه صاحبه فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه، وأمر أهله أن

يحرقوه ويذروه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه، ولم يجحد قدرة الله على إعادته عناداً كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه، ولم يجحد قدرة الله على إعادته عناداً أو تكذيبا ) (مدارج السالكين)) ابن القيم (1/338-339)

…وقد تأول بعضهم هذا الحديث تأويلات بعيدة عن المقصود منه، كقول الإمام ابن الجوزي: ( جحده صفة القدرة كفر اتفاقاً، وإنما قيل إن معنى قوله: ( لئن قدر الله علي ) أي ضيق، وهي كقوله تعالى: ( ومن قدر عليه رزقه ) أي: ضيق ) (فتح الباري)) ابن حجر (6/526)

…وهذا التأويل بعيد جداً عن مفهوم الحديث. وممن شنع عليه الإمام ابن تيمية(انظر ((مجموع الفتاوى)) (11/410-411)

ويقول الإمام ابن حزم في ردة: ( هذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله عز وجل يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر الله له لإقراره وخوفه وجهله. وقد قال بعض من يحرف الكلم عن مواضعه: إن معنى لئن قدر الله علي إنما هو: لئن ضيق الله علي، كما قال تعالى {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} [الفجر / 16].

…قال أبو محمد: وهذا تأويل باطل لا يمكن، لأنه كان معناه حينئذ: لئن ضيق الله علي ليضيقن علي. وأيضاً فلو كان هذا لما كان لأمره بأن يحرق ويذر رماده معنى. ولاشك في أنه إنما أمر بذلك ليفلت من عذاب الله تعالى ) (الفصل في الملل والأهواء والنحل)) لابن حزم (3/252)

…وتأوله آخرون على أن ذلك الرجل كان في حال دهش وشدة خوف، فلم يضبط ما قاله، ولم يكن جاهلاً بقدرة الله على أن يبعثه، وإذا لم

يتحقق قصده إلى ما قاله لم يكن مؤاخذاً بمجرد القول .

…قال الأمام النووي :(…….وقالت طائفة: اللفظ على ظاهرة، ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه، ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها، بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع، بحيث ذهب تيقظه وتدبر ما يقوله، فصار في معنى الغافل والناسي. وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها، وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته: أنت عبدي وأنا ربك، فلم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو ) (شرح النووي لصحيح مسلم )) (17/71).)

…وهذا التأويل الذي خلاصته أن ذلك الرجل لم يكن قاصداً لما قال مخالف لواقع الأمر، كما يدل عليه الحديث، فإن الرجل لم يقل ما قاله فجأة، ولا سبق لسان. وحاله يدل على ذلك، فقد جمع أبناءه وسألهم عن حاله، وأخبرهم عن خوفه من العذاب على ما كان منه من إسراف على نفسه، ثم إنه أخذ على أبنائه ميثاقاً أن يحرقوه ويذروه بعد موته وفي رواية عند مسلم أنه قال لأولاده: ( لتفعلن ما آمركم به أو لأولين ميراثي غيركم. إذا أنا مت فأحرقوني … إلى أن قال: فأخذ منهم ميثاقاً ففعلوا ذلك … الحديث ) (رواه مسلم، كتاب التوبة (2757).

…ويبعد جداً أن يجمع أبناءه ،ويسألهم عن حاله ،ويخبرهم بظنه في نفسه ،وخوفه من العاقبه ،ثم يأخذ عليهم ميثاقٍا أن يحرقوه ويذروه أنه لم يكن قاصداً لما قال، بل أقر بقصده، لكنه أخبر أن ما حمله على

ما قصد إليه وقاله هو خوفه من عذاب الله تعالي .فقياس حاله مع كل ما سبق علي حال من قال لسبق لسان (اللهم أنت عبدي وأنا رابك ). قياس مع الفارق .

الدليل الثانى :  ومما يدخل تحت هذه القاعده وهي الإعذار بالجهل والتأول فيما لا يعلم إلا بالحجة الرسالية، الحادثة المشهورة عن قدامة بن مظعون رضي الله عنه واستحلاله للخمر متأولاً، ولما أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يجلده الحد قال: ( لو شربت كما يقولون ما كان لكم أن تجلدوني، فقال عمر: لم ؟ قال قدامة: قال تعالى :{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ …الآية } [ المائدة / 93]. فقال عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله عليك، فأمر عمر بقدامه فجلد ) (القصة مروية في مصنف عبد الرزاق (9/240-242). والبيهقي في السنن (8/16). و ((الإصابة)) لابن حجر (3/220)

…فهذا قدامه بن مظعون رضي الله عنه وهو من الصحابة، ومن العرب الذين يدركون معاني كتاب الله، قد بلغته الحجة بتحريم الخمر وفهمها، لكنه تأول أنها حلال، لا رداً للنص على التحريم، وإنما لشبهة عرضت له، وهي أن التحريم عام خصصته آية المائدة. فشرب الخمر مستحلاً لها على مقتضى فهمه وظنه أنها ليست محرمة مطلقاً. ولما أراد عمر بن الخطاب أن يحده ادعى أن ما فعله لا يستلزم إقامة الحد عليه، لأنه شرب ماهو حلال عنده. ولم يكفره عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولا الصحابة الذين معه لاستحلاله شرب الخمر، مع أن ذلك كفر، لأن استحلاله لم يكن تكذيباً ورداً لما يعلم أنه حكم الله، بل كان مجتهداً

مخطئاً مغفوراً له، فلا إثم عليه، فضلاً عن تكفيره.

لكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقام عليه الحجة، وأزال شبهته بقوله له: ( أخطأت التأويل، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله عليك ) ومعنى ذلك: أنه إذا ثبت أن الخمر حرام ـ وقدامة بن مظعون رضي الله عنه يعلم ذلك ـ فهذا لا يعارض إباحة المطعومات لمن اتقى الله، لأن المقصود بها غير المحرمات، التي من اتقى الله تركها، لما ورد في حكمها على الخصوص.

…ولو أن قدامة أصر على شرب الخمر واستحلاله بعدما أزيلت شبهته وقامت عليه الحجة لكان كافراً، لكن عمر جلده لاعترافه بالتحريم .

…قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن استحلال قدامة وأصحابة للخمر أنه ( لما ذكر ذلك لعمر بن الخطاب اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على استحلالها قتلوا ) (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)) (11/404)

…ومن جميع ما تقدم في هذه الحالة يتبين أن بلوغ الحجة وفهمها وعدم وجود شبهة عند من بلغته الحجة شرط في تكفير المعين. وأن من لم تبلغه الحجة، أو بلغته فلم يفهمها، أو فهمها لكن عرضت له شبهة معتبرة، لا يكفر حتى تقام عليه الحجة الرسالية .

وعلى هذا فلا يصح التفريق بين فهم الحجة وقيام الحجة، والقول بأن قيام الحجة يتحقق ولو مع عدم فهمها، فإنه لا تقون الحجة إلا على من فهمها وعرف المراد بها، وأما أن من فهم الحجة قد يهتدي بها وقد لا يهتدي، فهذا أمر آخر خارج عن مناط قيام الحجة .

وكل هذا يدل على الأصل المراد بيانه في هذه الحالة الرابعة، وهو أن قصد المعين معتبر في الحكم عليه، وأنه لابد من التبين عن حاله، وهل ما تحقق منه في الظاهر من أفعال وأقوال كفرية صادرة عن تكذيب واستحلال، أم هي لأجل الجهل والتأول .

الدليل الثالث : – ومما ينبغي بحثه هنا حادثه ذات أنواط وحقيقة دلالتها فعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة حنين مر بشجرة للمشركين، كانوا يعقلون عليها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فقالوا: يارسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” سبحان الله ! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم …”

…وفي رواية أخرى للحديث قال أبو واقد الليثي رضي الله عنه: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم … الحديث ) (حسنه الترمذى وصححه الالبانى )

…وقد اختلف في دلالة هذه الحادثة، وهل فيها دلالة على أن ما طلبه الصحابة كان شركاً، أم أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما نهاهم عن مجرد المشابهة، لا أنهم قد وقعوا في الشرك وعلى هذا فهل دلالة هذه الحادثة محصورة في مجرد النهي عن اتباع سنن الأمم السابقة، أم أنها مع تلك تدل أيضاً على أن الصحابة قد حصلت منهم المشابهة لتلك السنن فيما هو شرك ؟

…وسواء فهمت القصة على المعنى الأول أو الثاني فإنه ليس في ذلك معارضه لأصول أهل السنه في قضيه التكفير، لأنه إن كان النهي عن مجرد المشابهه – ولا شك أنها أمر عظيم يستوجب الزجر والنهي – فلا مدخل للقصه في هذا الباب، لأن مجرد المشابهه هنا لا تستوجب الكفر لذاتها، وأما إن كان قولهم مقيض للشرك، فإن النبي صلي الله عليه وسلم لم يكفرهم ،وإن كان قد حذرهم ونهاهم عما قالوا.

…وليس كل من وقع في شيء من أمور الشرك الظاهرة يكفر بمجرد قوله أو فعله، بل لابد من استيفاء شروط التكفير وانتفاء الموانع في حقه.

…يقول القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله: ( الجاهل والمخطئ من هذه الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً، فإنه يعذر بالجهل والخطأ، حتى تتبين له الحجة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً ما يلتبس على مثله، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، مما أجمعوا عليه إجماعاً جلياً قطعياً، يعرفه كل المسلمين من غير نظر وتأمل ) (انظر ((محاسن التأويل)) للقاسمي (5/1307)

…ومن هذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن بعض أحوال الناس الشركية في عصره، لكنه لم يحكم بكفرهم بمجرد وقوع ذلك منهم.

…وفي ذلك يقول رحمه الله: ( … إنا بعد معرفة ما جاء به الرسول نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحداً من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما يخالفه ….الخ ) (الرد على البكري)) لابن تيمية (ص/376).

 

…والإمام ابن تيمية لا يقصد هنا أن من عبد غير الله فهو معذور مطلقاً وإنما يقصد أن من تلبس بشيء من مظاهر الشرك لم يلزم تكفيره حتى تقام عليه الحجة الرسالية، لإمكان أن يكون جاهلاً لم تبلغه الحجة، أو متأولاً له شبهة يعذر بها. فكلامه هنا هو فيما يتعلق بالأحكام على الناس في الظاهر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

مدونة التاعب

أبو المُنتصر محمد شاهين التاعب: باحث في الأديان والعقائد والمذاهب الفكرية المعاصرة

مُكَافِح الشُّبُهات

أبو عمر الباحث - غفر الله له ولوالديه

مدونة أبوعمارالأثري

أبوعمار الأثري: طالب علم متخصص في نقد المسيحية ومقاومة التنصير والرد على الشبهات المثارة حول الإسلام العظيم

الرَّد الصَّرِيح عَلَى مَنْ بدَّل دِينَ المَسِيح

تَحتَ إِشْراف:المُدَافِع السَّلَفِي ــ أَيُّوب المَغْرِبِي

مدوّنة كشف النصارى

للحق دولة ، وللباطل جولة

%d مدونون معجبون بهذه: