حكم مانعى الزكاة فى حروب الردة

 

أولاً : حكم مانعي الزكاة بصفة عامة :

والبحث في هذه المسألة في نوعان :

النوع الأول : إذا جحدها

النوع الثاني : إذا منعها بخلاً

أما النوع الأول : فجاحدها  كافر  لما جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فلا خلاف في كفره

أما النوع الثاني :  ففيه خلاف والراجح أنه لايكفر والدليل

1-    حديث أبى هريرة – رضي الله عنه – أن النبى – صلى الله عليه وسلم – ذكر عقوبة مانع الزكاة، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لاَ يُؤَدِّى زَكَاتَهُ إِلاَّ أُحْمِىَ عَلَيْهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبِينُهُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ يُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ … ) مسلم وهو دليل على أنه لا يكفر كُفر أكبر بل كُفر أصغر، إذ لو كان كافراً كُفر أكبر ما كان له سبيل إلى الجنة، ومن كان تحت المشيئة فهو مُسلم مُوحد لا يُخلد فى النار

2-    وما روى الترمذي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ العُقَيْلِيِّ رحمه الله قَالَ : “كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ ” (أخرجه الترمذي برقم (2622) وغيره .) . وظاهر هذا أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا يرون كفر من تركَ غيرَ الصلاة من الأعمال، فيدخلُ في ذلك الزكاة والله أعلم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حكم مانعي الزكاة الذين قاتلهم أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم في حروب الردة

أولاً : لابد أن نعلم إن أبو بكر حارب أقسام وليس قسم واحد

قال الإمام بن عبد البر : “وكانت الرِّدَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ :

1- قَوْمٌ كَفَرُوا وَعَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ .

2- وَقَوْمٌ آمَنُوا بِمُسَيْلِمَةَ وَهُمْ أَهْلُ الْيَمَامَةِ .

3- وَطَائِفَةٌ مَنَعَتِ الزَّكَاةَ ، وَقَالَتْ : ” مَا رَجَعْنَا عَنْ دِينِنَا وَلَكِنْ شَحَحْنَا عَلَى أَمْوَالِنَا ، وَتَأَوَّلُوا قوله تعالى : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ﴾[التَّوْبَةِ 103] فَقَالُوا : الْمَأْمُورُ بِهَذَا رَسُولُ اللَّهِ لَا غيره ” ( الاستذكار (3/213)

وهذا القسم الثالث : هو الذي وقع فيه المناظرة بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وهو محل البحث

والحديث العمدة فى الباب هو :

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه : لَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَكانَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَب، فَقالَ عُمَرُ رضي الله عنه: كَيْفَ تُقاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتّى يَقُولوا لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ، فَمَنْ قالَها فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسابُهُ عَلى اللهِ فَقالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لأُقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكاةِ، فَإِنَّ الزَّكاةَ حَقُّ الْمالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُوني عَناقًا كَانوا يُؤَدُّونَها إِلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَقاتَلْتُهُمْ عَلى مَنْعِها .

قالَ عُمَر رضي الله عنه : فَواللهِ ما هُوَ إِلاَّ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبي بَكْرٍ رضي الله عنه لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ . متفق عليه ،  

وبحثنا في هؤلاء ليس في وجوب قتالهم ، فهذه مسألة انعقد إجماع أبي بكر وعمر عليها ، وإجماع الأمة بعدهم ، ولكن البحث في هؤلاء هل هم كُفَّار أم لا ؟

أولا: هل هناك إجماع على تكفيرهم ؟!

الإجابة : لأ …   ليس هناك إجماع قطعى بل الثابت الخلاف ! كما سنبين فى البحث

وأما ما نقل عن شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله فهو كا الأتى :

قوله : «والصحابةُ لم يقولوا: أنت مُقرٌّ بوجوبها أو جاحدٌ لها ؟ هذا لم يعهد عن الخُلفاء والصحابةِ ، بل قد قال الصدِّيق لعمر رضي الله عنهما : ” والله لو منعوني عِقالاً أو عناقاً كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها ” فجعل المبيحَ للقتال مجرَّدَ المنع ، لا جحدَ الوجوب .

وقد روي : أن طوائف منهم كانوا يُقرِّون بالوجوب ، لكن بخلُوا بها ، ومع هذا فسيرةُ الخلفاء فيهم جميعِهم سيرةٌ واحدة ، وهي قتلُ مقاتلتهم ، وسبيُ ذراريهم ، وغنيمةُ أموالهم ، والشهادةُ على قتلاهم بالنار ، وسمُّوهم جميعَهم أهل الردة ، وكان من أعظمِ فضائل الصديق رضي الله عنه عندهم : أن ثبته الله عند قتالهم ، ولم يتوقَّف كما توقف غيره ، فناظرَهُم حتى رجعوا إلى قوله ، وأما قتال المقرين بنبوَّة مسيلمة ، فهؤلاء لم يقع بينهم نزاعٌ في قتالهم . انتهى ” .

قال الشيخ محمد  بن عبد الوهاب رحمه الله : ” فتأمَّل كلامَه في تكفير المُعيَّن ، والشهادةِ عليه إذا قتل بالنار ، وسبي حريمِه وأولادِه عند منعِ الزكاة ، فهذا الذي ينسِبُ عنه أعداءُ الدين عدمَ تكفير المُعيَّن ” .

ثم قال : ” قال رحمه الله بعد ذلك : وكفر هؤلاءِ ، وإدخالُهم في أهل الردَّة ، قد ثبت باتفاقِ الصحابة ، المستندِ إلى نصوصِ الكتاب والسنة . انتهى كلامه »[مفيد المستفيد في حكم جاهل التوحيد، محمد بن عبدالوهاب (154)، والدرر السنية (8/131).

قلت : هذه عبارة منسوبة للشيخ لا توجد فى إى كتاب له !

 والعبارة الوحيدة الصحيحه الصريحه له هى :  «وقد اتفق الصحابة والأئمة بعدهم على قتال مانعي الزكاة، وإن كانوا يصلون الخمس ويصومون شهر رمضان، وهؤلاء لم يكن لهم شبهة سائغة، فلهذا كانوا مرتدين، وهم يقاتلون على منعها وإن أقروا بالوجوب كما أمر الله»[مجموع الفتاوى، ابن تيمية (28/519).

قلت : نقل الإتفاق على قتالهم وليس تكفيرهم وهذا واضح من الكلام إنه هو من حكم عليهم بالإرتداد

ومما يؤكد ذلك أنه ذكر خلاف الأمة فى تكفيرهم  قبل هذا النص بسطر واحد : (فإن الأمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم وإنما تنازعوا فى تكفيرهم على قولين مشهورين فى مذهب مالك وأحمد وفى مذهب االشافعى أيضا نزاع فى كفرهم

 ولهذا كان فيهم وجهان فى مذهب أحمد وغيره على الطريقة الأولى أحدهما أنهم بغاة والثانى أنهم كفار كالمرتدين يجوز قتلهم إبتداء وقتل أسيرهم وإتباع مدبرهم ومن قدر عليه منهم إستتيب كالمرتد فإن تاب وإلا قتل كما أن مذهبه فى مانعى الزكاة إذا قاتلوا الإمام عليها هل يكفرون مع الإقرار بوجوبها على روايتين ) [مجموع الفتاوى، ابن تيمية (28/519).

 وأيضاً :  ابن تيمية  له تقريرات أخرى تقتضي في ظاهرها أنه يرى أن الصحابة كانوا يفرقون بين أصناف المرتدين، فيجعلون بعضهم كفاراً، كأتباع مسلمية الكذاب، وبعضهم مسلمين لهم أحكام أهل القبلة، ومن تلك التقريرات: أنه جعل قتال مانعي الزكاة من جنس قتال أهل القبلة، فقال: «والعلماء لهم في قتال من يستحق القتال من أهل القبلة طريقان: منهم من يرى قتالاً على يوم حروراء ويوم الجمل وصفين كله من باب قتال أهل البغي، وكذلك يجعل قتال أبي بكر لمانعي الزكاة، وكذلك قتال سائر من قوتل من المنتسبين إلى القبلة، كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم»[مجموع الفتاوى، ابن تيمية (28/515).

وهو كثيراً ما يقرن بين مانعي الزكاة والخوارج، ويجعل قتالهم من جنس واحد، وقد استحضر هذين الصنفين في مقامات عديدة، وأكد على أن نوع القتال فيهما مختلف عن قتال أهل البغي، وكرر الاستدلال بهما على تأسيس مشروعية قتال الطائفة الممتنعة في عدة مواطن[انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية (28/512، 545، 557). فإذا ضممنا هذا الاطراد في الاقتران مع تصريحه بعدم كفر الخوارج فإنه يفيد في ظاهره أن مانعي الزكاة ليسوا كفاراً كالخوارج لأنه جعل قتالهم من جنس واحد.

ومن النصوص الداخلة في هذا الاتجاه قوله:: «فعمر وافق أبا بكر على قتال أهل الردة مانعي الزكاة وكذلك سائر الصحابة، وأقرَّ أولئك بالزكاة بعد امتناعهم منها ولم تسب لهم ذرية، ولا حبس منهم أحد»[منهاج السنة النبوية، ابن تيمية (6/348). فهو يقتضي في ظاهره أن الصحابة لم يعاملوا مانعي الزكاة معاملة باقي المرتدين.

وهذه الاعتبارات تجعل نسبة القول إلى ابن تيمية – رحمه الله – بأنه يرى إجماع الصحابة على تكفير كل المرتدين محل تردد، 

وممن حكى إجماع الصحابة على القول بالتكفير القاضي أبو يعلى في كتابه مسائل الإيمان عندما حكى الأدلة على عدم كفر الفاسق المليِّ قال : ” وأيضاً فإنَّه إجماع الصحابة ، وذلك أنهم نسبُوا الكفر إلى مانع الزكاة وقاتلُوه وحكموا عليه بالردة ، ولم يفعلوا مثل ذلك بمن ظهر منه الكبائر ولو كان الجميع كفراً لسَوّوا بين الجميع ” (مسائل الإيمان ص330-332  )

 قلت : والقاضى له  له كلاماً نقله عنه ابن القيم يقرر فيه إعذار مانعي الزكاة بالتأول والجهل  (بدائع الفوائد (3/618) .

وأيضاً :  لم يثبت الإجماع ولكن ثبت الخلاف !

ثانيا: ما هو القول الراجح فى حكمهم ؟

الإجابة  : إنهم ليسوا كفار والأدلة هى /

(1)  استدل القائلون بعدم تكفيرهم  بالحديث السابق ، وذلك في قول عمر رضي الله عنه : ” كَيْفَ تُقاتِلُ النَّاسَ ” : إذ فيه دليل على أن الخلاف بينهما كان في القتال ، لا في الحكم بالإيمان أو الكفر، بل كانا متفقين على عدم كفرهم .

ويدل على هذا أمور :

الأول : أنهم لو كانوا كافرين لما شك عمر في قتالهم ، كما لم يشك في قتال مسيلمة والأسود وطليحة وغيرهم ممن ادعى النبوة أو رجع إلى عبادة الأوثان .

قال ابن قدامة : ” ووجه الأول – أي القول بعدم التكفير – أن عمر وغيره من الصحابة امتنعوا من القتال في بدء الأمر ولو اعتقدوا كفرهم لما توقفوا عنه ثم اتفقوا على القتال وبقي الكفر على أصل النفي ” (المغني (2/429).

الثاني : أنهما لو اختلفا في كفرهم لبيَّن أبو بكر لعمرَ الفعل أو الاعتقاد المُكفِّر الذي وقعوا فيه ، ولكن جوابه لا يدل على ذلك .

وإلى هذين الوجهين أشار الإمام الشافعي بقوله : ” في قول أبى بكر : ” هذا من حقها ، لو منعوني عناقا مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه ” معرفة منهما معاً بأن مِمَّن قاتلوا من هُو على التمسك بالايمان ، ولولا ذلك :

1- ما شك عمر في قتالهم .

2- ولقال أبو بكر : قد تركوا لا إله إلا الله فصاروا مشركين .

(2) وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي مُخَاطَبَتِهِم جُيُوشَ أَبِي بَكرٍ ، وَأَشعَارِ مَن قَالَ الشِّعرَ مِنهُم ، وَمُخَاطَبَتِهِم لِأَبِي بَكرٍ بَعدَ الإِسَارِ فَقَالَ شَاعِرُهُم :

أَلَا أَصبَحينَا قَبلَ نَائِرَةِ الفَجرِ = لَعَلَّ مَنَايَانَا قَرِيبٌ وَمَا نَدرِي

أَطَعنَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ وَسَطَنَا = فَيَا عَجَبًا مَا بَالُ مِلكِ أَبِي بَكر

فَإِنَّ الَّذِي يسألكمو فَمَنَعتُمْ = لَكَالتَّمْرِ أَو أَحلَى إلَيهِم مِن التَّمرِ

سَنَمنَعُهُم مَا كَانَ فِينَا بَقِيَّةٌ = كِرَامٌ عَلَى العَزَّاءِ فِي سَاعَةِ الْعُسْرِ

وَقَالُوا لِأَبِي بَكرٍ بَعدَ الإِسارِ : مَا كَفَرنَا بَعدَ إيمَانِنَا وَلَكِن شَحِحنَا عَلَى أَموَالِنَا ” (الأم (4/228).

(3)   : أن عمر رضي الله عنه قال بعد ذلك : ” فَواللهِ ما هُوَ إِلاَّ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبي بَكْرٍ رضي الله عنه لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ ” ، ولو كان الخلاف في التكفير لقال : ” فَواللهِ ما هُوَ إِلاَّ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبي بَكْرٍ رضي الله عنه لِلتكفير فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ ” . وهذا ظاهر جداً .

(4) ظاهر كتاب أبي بكر إلى المرتدين، فإنه – رضي الله عنه – كتب إليهم كتاباً طويلاً اشتمل على بنود عديدة مختلفة في مقتضياتها، وممَّا جاء فيه قوله: «بسم الله الرحمن الرحيم. من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بلغه كتابي هذا، من عامة وخاصة، أقام على إسلامه أو رجع عنه»[انظر نص الكتاب: كتاب الردة، الواقدي (71)، وتاريخ الطبري (3/250).

(5) ذكر عدد من المؤرخين أخباراً عديدة تدلُّ على أن الصحابة لم يكونوا يحكمون بالكفر على كل من شملهم اسم الردة في زمن أبي بكر – رضي الله عنه -[انظر: كتاب الردة، الواقدي (174-177).

مناقشة أدلة القائلين بالتكفير :

1 – استدلوا بما أخرجه أبو بكر البرقاني رحمه الله تعالى في مستخرجه عَنْ طَارِقِ بنِ شِهَابٍ قَالَ : جَاءَ وَفْدُ بُزَاخَةَ أَسَدٌ وَغَطَفَانُ إِلَى أَبِى بَكْرٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ ، فَخَيَّرَهُمْ أَبُو بَكْرٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْنَ الْحَرْبِ الْمُجْلِيَةِ أَوِ السِّلْمِ الْمُخْزِيَةِ ، قَالَ : فَقَالُوا هَذَا الْحَرْبُ الْمُجْلِيَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا ، فَمَا السِّلْمُ الْمُخْزِيَةُ ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ : تُؤَدُّونَ الْحَلْقَةَ وَالْكُرَاعَ ، وَتُتْرَكُونَ أَقْوَامًا يَتبَعُونَ أَذْنَابَ الإِبِلِ حَتَّى يُرِىَ اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ وَالْمُسْلِمِينَ أَمْرًا يَعْذِرُونَكُمْ بِهِ ، وَتَدُونَ قَتْلاَنَا وَلاَ نَدِي قَتْلاَكُمْ ، وَقَتْلاَنَا فِى الْجَنَّةِ وَقَتْلاَكُمْ فِى النَّارِ ، وَتَرُدُّونَ مَا أَصَبْتُمْ مِنَّا ، وَنَغْنَمُ مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ .

قَالَ فَقَالَ عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ : قَدْ رَأَيْتُ رَأَيًا وَسَنُشِيرُ عَلَيْكَ ، أَمَّا أَنْ يُؤَدُّوا الْحَلْقَةَ وَالْكُرَاعَ فَنِعِمَّا رَأَيْتَ ، وَأَمَّا أَنْ يُتْرَكُوا أَقْوَامًا يَتَّبِعُون أَذْنَابَ الإِبِلِ حَتَّى يُرِىَ اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ وَالْمُسْلِمِينَ أَمْرًا يَعْذِرُونَهُمْ بِهِ فَنِعِمَّا رَأَيْتَ ، وَأَمَّا أَنْ نَغْنَمَ مَا أَصَبْنَا مِنْهُمْ وَيَرُدُّونَ مَا أَصَابُوا مِنَّا فَنِعِمَّا رَأَيْتَ ، وَأَمَّا أَنَّ قَتْلاَهُمْ فِى النَّارِ وَقَتْلاَنَا فِى الْجَنَّةِ فَنِعِمَّا رَأَيْتَ ، وَأَمَّا أَنْ يَدُوا قَتْلاَنَا فَلاَ قَتْلاَنَا قُتِلُوا عَلَى أَمْرِ اللَّهِ فَلاَ دِيَاتَ لَهُمْ فَتَتَابَعَ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ “

ووجه الدلالة : أن السيرة التي سارها أبو بكر فيهم من غنيمتهم والشهادة عليهم بالنار تدل على أنهم كفار مرتدون .

أجابَ ابنُ قُدامة عن الاستدلالِ بسيرة أبي بكر في غنيمةِ الأموالِ والشهادةِ عليهِم بالنَّار ، بأنَّ ” هذه قضيةٌ في عينٍ فلا يتحقَّقُ من الذين قال لهم أبو بكر هذا القولَ ” ( المغني (2/429) ..

قلت : الذين قال فيهم أبو بكر هذا القولَ ، هم وفد بُزاخة كما تقدم في الرواية ، قال ابن حجر : “وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْقَبَائِلُ ارْتَدُّوا بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتَّبَعُوا طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيَّ ، وَكَانَ قَدِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَطَاعُوهُ لِكَوْنِهِ مِنْهُمْ ، فَقَاتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ مُسَيْلِمَةَ بِالْيَمَامَةِ ، فَلَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِمْ بَعَثُوا وَفْدَهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَقَدْ ذَكَرَ قِصَّتَهُمُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ فِي أَخْبَارِ الرِّدَّةِ ، وَمَا وَقَعَ مِنْ مُقَاتَلَةِ الصَّحَابَةِ لَهُمْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ” (فتح الباري (13/210).

فتعين أن هؤلاء الذين قال فيهم أبو بكر ما قال ، لم يكونوا من الصنفِ الثاني المانعِ للزكاة ، وإنما كانوا من الصنف الأول أتباع مُدَّعِي النبُوة ، فسقط هذا الاستدلال .

3-    قالوا : وتسمية الصحابة لهم بأهل الردة ، وإدخالهم فيهم دليل على ما ذكرنا .

والرد هو :

 الشافعي  نسب هذه التسمية للعامة ، وابن عبد البر ينسبها إلى بعض الصحابة ، أما إجماعهم عليها فيحتاج إلى نقل صحيح  ليس هناك نقل ثابت يدل على إجماع الصحابة  على مجرد التسمية !

وقال الشافعي رحمه الله تعالى : فهو لسان عربيٌّ ؛ فالردة : الارتدادُ عمَّا كانوا عليه بالكفر ، والارتدادُ بمنع الحق ، ومن رجع عن شيءٍ جاز أن يُقال ارتد عن كذا “(الأم (4/227).

وقال الخطابي : ” والصنف الآخر هم الدين فرَّقُوا بين الصلاة والزكاة ، فأقروا بالصلاة وأنكرُوا فرض الزكاة ووجوب آدائها إلى الإمام ، وهؤلاء على الحقيقةِ أهلُ بغيٍ ، وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصاً لدُخولهم في غمار أهل الردة فأضيف الاسمُ في الجملة إلى الردَّة إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما ” (معالم السنن (2/4).

وقال : “الردَّةُ اسمٌ لغويٌّ ، وكلُّ من انصرف عن أمر كان مقبلاً عليه فقد ارتدَّ عنه ، وقد وُجِد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الحق ، وانقطع عنهم اسم الثناء والمدح بالدين ، وعلق بهم الاسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقاً ” (معالم السنن (2/6).

وقال ابن عبد البر : ” وَسَمَّى بعض الصحابة مانعي الزكاة أَهْلَ رِدَّةٍ عَلَى الِاتِّسَاعِ ، لِأَنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ ، وَمَعْلُومٌ مَشْهُورٌ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا مَا تَرَكْنَا دِينَنَا ، وَلَكِنَّ شَحَحْنَا عَلَى أَمْوَالِنَا “( التمهيد (21/282)

4-    قالوا : وتأولهم المذكور ليس من التأول المستساغ الذي يعذر به من وقع في فعل مكفِّر .

قال ابن تيمية : ” َهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُبْهَةٌ سَائِغَةٌ فَلِهَذَا كَانُوا مُرْتَدِّينَ ، وَهُمْ يُقَاتَلُونَ عَلَى مَنْعِهَا ، وَإِنْ أَقَرُّوا بِالوُجُوبِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ ، وَقَد حُكِيَ عَنهُم أَنَّهُمْ قَالُوا : إنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ بِأَخْذِ الزَّكَاةِ بِقَوْلِهِ : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً وَقَدْ سَقَطَتْ بِمَوْتِهِ ” (مجموع الفتاوى (28/519)

وقال في فتوى له في طائفة ممتنعة من الرافضة : ” .. التَّأْوِيلَ السَّائِغَ هُوَ الْجَائِزُ الَّذِي يُقِرُّ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ جَوَابٌ ، كَتَأْوِيلِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَنَازِعِينَ فِي مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ ، وَهَؤُلَاءِ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَلَكِنَّ لَهُمْ تَأْوِيلٌ مِنْ جِنْسِ تَأْوِيلِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَالْخَوَارِجِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَتَأْوِيلُهُمْ شَرُّ تَأْوِيلَاتِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ ” (مجموع الفتاوى (28/486)

والرد هو :

أما ما قاله شيخ الإسلام من عدم سواغية التأول الذي ذهبوا إليه ، فعليه الملاحظات الآتية :

أولاً : أن هذا يدل على أن مأخذَ شيخ الإسلام في تكفير مانعي الزكاة الذين جاهدَهُم الصحابة هو عدمُ سواغية التأول عنده ، والنظر في سواغية التأوُّل وعدمه هو من الاختلاف في تحقيق المناط ، والأمرُ فيه سهل ، وليس مأخذه إجماع الصحابة على تكفيرهم كما يُنسَبُ إليه .

ثانياً : الدَّليل الذي ذكره أصحاب القول الأول المقتضي لاتِّفاقِ أبي بكر وعمرَ رضي الله عنهما على عدمِ التكفير ، يدلُّ على سواغية تأوِّل مانعي الزكاةِ عندهما .

ثالثاً : عند النظر في تأول مانعي الزكاة المذكورِ نجدُ أنه من جنسِ تأوِّل قدامة بن مظعون رضي الله عنه في شرب الخمر ، وقد عذره عمر رضي الله عنه والصحابة بتأوُّلِه . والله تعالى أعلم

5-    : هناك استدلال استنبطه سيد إمام من الحديث فقالَ : ” ودليلُ تكفيرِ أبي بكرٍ رضي الله عنه لمانعي الزكاة قولُه : ” والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة ” ، وقد استقرَّ إجماعُ الصحابة على كفرِ تارك الصلاة ووجوبِ قتله إن لم يتب ، فدلَّت تسويتُه بين الصلاة والزكاة على أن مانعي الزَّكاة عنده كُفَّار يجب قتالهم ، ومن زعم أنه سوَّى بين تارك الصلاة ومانع الزكاة في العقوبة (القتل) دون الحكم (الكفر) فقد أخطأ ، فقد سوّى بينهما أبو بكر تسوية مطلقة تشتمل على الحكم والعقوبة ” ([19])

والرد : أما الاستدلال الذي ذكره سيد إمام فهو استدلال واهٍ جداً ، لا يقوله فقيهٌ ، ولم أذكره إلا لبيان ضعف بحثه لهذه المسألة ، فإن مراد الصديق رضي الله عنه بقوله : ” لأقاتلنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ” : أي : من فرق بينهما في الأداء ، فأدى الصلاة وامتنع عن أداء الزكاة ، وليس المراد من فرق بينهما في تكفير تاركهما ولا في عقوبته ، إذ مقتضى ذلك أن الفاروق – قبل أن يصير إلى رأي أبي بكر – يقاتل ، لأنه فرق بينهما في العقوبة ، وكذلك كل من قال بعدم التكفير يقاتل !

والتسوية المطلقة التي ينسبها الكاتب لأبي بكر يلزم منها الاشتراك التام بين أحكام الصلاة والزكاة، في الشرائط والأركان !

 وأخيراً : أما تفريع القول بعدم تكفير مانعي الزكاة الذين قاتلهم الصحابة على بدعة الإرجاء ، فهو من صنيع بعض المشايخ المعاصرين ، ومن الأخطاء المنهجية التي يقع فيها بعض المعاصرين في بحوثهم أنهم إذا أرادوا القطع برأي اختاروه في مسألة – هي عند التحقيق من المسائل الفقهية الاجتهادية – إما أنهم يفرعونه على بدعة اعتقادية ، أو يدَّعُون الإجماع عليه ، ثم إذا تأمل الباحث في مأخذهم في ذلك رآه أوهى من بيت العنكبوت ، وهذا كلام عامٌّ ولا أعني به أحداً بعينه

ثم ألا ترى أن الإمام الشافعي رحمه الله  قرر ذلك في كتاب الأم  وغيره كثير ، فكيف يقال إن هذا قول من دخلت عليه شبهة الإرجاء ؟

وشيخ الإسلام ابن تيمية وإن كان يرى أن قتالهم ليس من قتال أهل البغي ، فهو لم يشر البتة إلى أن من قال بذلك من الفقهاء دخلت عليه شبهة الإرجاء ، فتفريع هذه المسألة على بدعة الإرجاء – فضلاً عن كونه غلطاً في نفسه – هو من صنيع المشايخ المذكورين .

وبهذا يتبين الغلطُ الظَّاهرُ الذي وقَعوا ، عندما يصوِّرون المسألةَ على أنَّها نكوصٌ من العلماء المتأخِّرين عن اتباع الصحابة في إجماعهم على تكفير مانعي الزكاة ، بسبب بدعة الإرجاء التي وقعوا فيها ، وقد عرفت الآن أن هذا التصوير للمسألة باطل أشد البطلان ، وأن ابن تيمية رحمه الله تعالى بريء منه .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وهذا البحث أكبر مرجع لى لمن أراد مزيد من التوسع فى المسألة والسلام عليكم

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=239284

 

 

 

.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

مدونة التاعب

أبو المُنتصر محمد شاهين التاعب: باحث في الأديان والعقائد والمذاهب الفكرية المعاصرة

مُكَافِح الشُّبُهات

أبو عمر الباحث - غفر الله له ولوالديه

مدونة أبوعمارالأثري

أبوعمار الأثري: طالب علم متخصص في نقد المسيحية ومقاومة التنصير والرد على الشبهات المثارة حول الإسلام العظيم

الرَّد الصَّرِيح عَلَى مَنْ بدَّل دِينَ المَسِيح

تَحتَ إِشْراف:المُدَافِع السَّلَفِي ــ أَيُّوب المَغْرِبِي

مدوّنة كشف النصارى

للحق دولة ، وللباطل جولة

%d مدونون معجبون بهذه: