تحرير مذهب الإمام محمد بن عبد الوهاب فى العذر بالجهل

تحرير مذهب الإمام بن عبد الوهاب فى العذر بالجهل

مقدمة لابد منها :

يستدل كثيراً  من المخالفين بأقوال العلماء

ونحن نقول لهم قبل أن نناقش قول العالم يجب الأخذ بقواعد مهمة :

1-  يجب التفريق بين النصوص المطلقة والمقيدة:

فمثلاً يستدل البعض بقول عالم من العلماء:

إن من نذر أو استغاث بغير الله فهو كافر مشرك حلال الدم والمال …الخ، فيقول هذا المستدل إن مذهب هذا العلم عدم العذر بالجهل في مسائل العقيدة أو التوحيد سواء في دار الإسلام أو غيرها، والدليل أنه قال كافر، مشرك ولم يقل ما لم تقم عليه الحجة أو نحو ذلك، وقد يرد على هذا الاستدلال، بأن هذا النص عام، وليس فيه تعيين شخص معين، فعند التعيين لابد من قيام الحجة، والعالم لم ينف ذلك، كما أنه لا يلزم أن يقال في كل نص من النصوص العامة: ما لم تقم عليه الحجة، لأن العلماء في كثير من الأحيان لا يذكرون الأعذار، فهم حين يقولون من فعل كذا فقد كفر، لا يقولون إلا إن كان متأولاً أو جاهلاً أو مكرهاً..الخ، ولعل هذا يشبه قولهم: إن الزاني والسارق وشارب الخمر لا يكفرون، لا يلزم أن يقال في كل نص إلا إن كان مستحلاً والله أعلم.

2- يجب التفريق بين النصوص العامة والمخصصة فالعام محتمل لهذا المعنى وغيره فلا يؤخذ منه هذا الاستدلال لعدم وضوح مقصود الأئمة فيه 

3-وقد يكون العالم الفلانى تراجع عن مذهبه فكلامه ينسخ كلامه السابق

والصحيح في مثل هذه النصوص: أنه لا يجوز نسبة قول أو رأي لعالم في مسألة ما إلا بجمع النصوص المختلفة عنه في هذه المسألة أو تلك، ثم بعد ذلك استخلاص رأيه لان كثيراً من المخالفون يدلسون على العلماء  لانهم  اختاروا من كلامهم ما يؤيد رأيهم، وأغفلوا ما يعارضه، وهذا لا يليق بالباحث المنصف، لأنهم في هذه الحالة ينسبون لهؤلاء الأئمة من الأقوال ما لم يقولوها، بل قالوا عكسها.

وينبغي أن نعلم – قبل مناقشتها – أن الحجة تكون بالكتاب والسنة والإجماع، وليس المرجع في هذه المسائل خاصة إلى قول عالم بعينه مهما علا قدره. لإن الله قال  {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } (59) النساء   والنبى قال { تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى ابدا كتاب الله وسنة رسوله } رواه الحاكم وحسنه الألبانى

ومعلوم إنه كلاً يؤخذ بقوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيضاً :   العلماء يحتج لهم ولا يحتج بهم

فإذا كان ليس قولهم حجة ولا يصلح الإستلال بكلامهم بدون دليل فلماذا تناقشون مذهبهم واقوالهم ؟!  

لاسباب ومنها :

1-حتى نثبت إن مذهب أهل السنة والجماعة اليوم فى مسألة ما  ليست  شاذة  ولا محدثه بل لها أثار من أقوال السلف قديماً

2-ولكى نثبت مذهب العالم بتحرى  دون نقص او زيادة او تدليس

لماذا أختلف البعض فى منهج الشيخ فى المسألة ؟!

اضطرب كثير من الناس في فهم حقيقة منهج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فيما يتعلق بالإعذار بالجهل في الشرك وفي تكفير المعين.

فبعضهم رأى عبارات صريحة للإمام في عدم الإعذار بالجهل في الشرك، فتمسك بها في تكفير المعينين، قبل النظر في حالهم وتنبيههم وإقامة الحجة عليهم.

وبعضهم رأى عبارات صريحة أيضاً للإمام في أن التكفير مشروط بالتعريف وإقامة الحجة، فتمسكوا بها القول بأن الإمام يعذر بالجهل مطلقاً

وآخرون ظنوا أن الإمام متناقض في هذه المسألة، وأنه لا يمكن القول بكلا القولين، وأن القول بأحدهما يقتضي بطلان الآخر.

وآخرون ظنوا أن منهجه في هذه القضية هو عدم الإعذار بالجهل مطلقاً، لكنه قال ما قال لمصلحة الدعوة، وهذا افتراء عليه كالافتراء على شيخ الإسلام ابن تيمية في نفس القضية.

والحقيقة أن هؤلاء جميعاً لم يفهموا حقيقة منهجه في هذه المسألة. فهو رحمه الله على مذهب أهل السنة في التفريق بين أحكام الباطن وأحكام الظاهر، وعدم الخلط بين عدم الإعذار بالجهل في الشرك وبين إعذار المعين الذي تلبس ببعض الأعمال الشركية في الظاهر. ولو فسرنا كلامه على أن المراد به الحكم على الباطن مطلقاً، أو على الظاهر مطلقاً لتناقض واضطرب، وهذا ما دعا أصحاب كل منهج مخالف في هذه القضية أن يأخذ بما يناسبه من كلام الإمام، ويتغافل عن كلامه الآخر.

اقول صريحة للإمام فى العذر بالجهل وعدم تكفير المعين قبل إقامة الحجة عليه

النص الأول :- قوله رحمه الله {وإذا كنا: لا نكفر من عبد الصنم، الذي على [قبر] عبدالقادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله؟! إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر ويقاتل { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } ” [سورة النور، آية: 16] (الدرر السنية (1/102-104).وهذا النص اعترض عليه الخوارج والتكفريين منهم من قال انه مكذوب على الشيخ ولادليل عنده ومنهم من قال لو هو قال كذلك فهو كافر أيضاً !!  وهذا النص ذكره علماء الدعوة السلفية كلهم واولهم اولادة واحفادة مثل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في مصباح الظلام (ص324 ) وكذلك الشيخ سليمان بن سحمان (منهاج الحق والاتباع ص56، وانظر نصا مشابهاً في الضياء الشارق 372.) وغيرهم كثير حتى من قال منهم بعدم العذر بالجهل ذكرها ايضا مثل : الشيخ  علي بن خضير الخضير  فى  {الرسالة المتممة في مسالة الجهل في الشرك الأكبر}

النص الثانى :- من ذلك قوله رحمه الله: ( ما ذكره لكم عني أني أكفر بالعموم فهذا بهتان الأعداء. ) ثم قال بعد رده على من يقول بأنه يشترط الهجرة إليه لثبوت وصف الإسلام: ( إنما المراد اتباع دين الله ورسوله في أي أرض كانت، ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله ثم عاداه وصد الناس عنه. وكذلك من عبد الأوثان بعدما عرف أنها دين المشركين وزينه للناس، فهذا الذي أكفره. وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء إلا رجلاً معانداً أو جاهلاً ) (مجموع مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب) القسم الخامس، الرسائل الشخصية، (ص/58).).

النص الثالث :- ويقول أيضاً في رد نفس الشبهة: ( … وكذلك تمويهه على الطغام بأن ابن عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر. ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نشهد الله على ما يعمله من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم، في أي زمان وأي مكان .وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعدما نبين له الحجة على بطلان الشرك،وكذلك نكفر من حسنه للناس أو أقام الشبه الباطله على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندما وقاتل من أنكرها وسعى في إزالتها ) (مجموع مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب) القسم الخامس، الرسائل الشخصية، (ص/60)

النص الرابع :- ويقول أيضاً في التكفير وضابطة: ( وأما التكفير فأنا أكفر من عرف الرسول، ثم بعدما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك ) (مجموع مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب) القسم الخامس، الرسائل الشخصية، (ص/38)

النص الخامس :- ويقول أيضاً رحمه الله: (وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن والموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله ) (مجموع مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب) القسم الخامس، الرسائل الشخصية، (ص/25).

النص السادس :- قوله – أيضاً -: (فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء والصالحين نحكم بأنهم مشركون ونرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية) (الهدية السنية، الرسالة الرابعة 103.)

النص السابع :- وأما سؤالكم: هل هذا في المسلم الذي لم يصدر منه شرك بالكلية ؟.

فنقول: أما الشرك الذي يصدر من المؤمن، وهو لا يدري، مع كونه مجتهدا في اتباع أمر الله ورسوله، فأرجو أن لا يخرجه هذا من الوعد. وقد صدر من الصحابة أشياء من هذا الباب، كحلفهم بآبائهم، وحلفهم بالكعبة، وقولهم: ماشاء الله وشاء محمد؛ وقولهم: اجعل لنا ذات أنواط؛ ولكن إذا بان لهم الحق اتبعوه، ولم يجادلوا فيه حمية الجاهلية لمذهب الآباء والعادات.

وأما الذي يدعى الإسلام، وهو يفعل من الشرك الأمور العظام؛ وأما الإنسان الذي يفعلها بجهالة، ولم يتيسر له من ينصحه، ولم يطلب العلم الذي أنزله الله على رسوله، بل أخلد إلى الأرض، واتبع هواه، فلا أدري ماحاله (الدرر السنية في الأجوبة النجدية(2/103)

النص الثامن :- يقول الإمام رحمه الله في تعليقه على قصة ذات أنواط: (…ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم، بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها، فتفيد التعلم والتحرز، ومعرفة أن قول الجاهل “التوحيد فهمناه” أن هذه من أكبر الجهل، ومكايد الشيطان. وتفيد – أيضاً – أن المسلم إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي – صلى الله عليه وسلم، وتفيد – أيضاً – أنه لو لم يكفر فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظاً شديداً كما فعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم– (كشف الشبهات 46)

النص التاسع : قال وقال بن تيمية رحمه الله: (إني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى) ((الفتاوى)) (3/ 229)، يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب في تعليقه على هذا الكلام (وهذه صفة كلامه في المسألة في كل موضع وقفنا عليه من كلامه لا يذكر عدم تكفيره المعين إلا ويصله بما يزيل الإشكال إن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة، وأما إذا بلغته حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة من تكفير أو تفسيق أو معصية) ((مفيد المستفيد)) (ص: 10).

النص العاشر : – أن معصية الرسول – صلى الله عليه وسلم – في الشرك وعبادة الأوثان بعد بلوغ العلم كفر صريح بالفطر والعقول والعلوم الضرورية ، فلا يتصور أنك تقول لرجل ولو من أجهل الناس أو أبلدهم ، ما تقول فيمن عصى الرسو ل – صلى الله عليه وسلم – ولم ينقد له في ترك عبادة الأوثان والشرك ، مع أنه يدعي أنه مسلم متبع إلا ويبادر بالفطرة الضرورية إلى القول بأن هذا كافر من غير نظر في الأدلة أو سؤال أحد من العلماء  ولكن لغلبة الجهل وغربة العلم وكثرة من يتكلم بهذه المسألة من الملحدين أشتبه الأمر فيها على بعض العوام من المسلمين الذين يحبون الحق  (مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد ص 68 )

النص الحادى عشر : – لم يكفر البوصيرى  وذكر ان نسبه تكفيره إليه من الكذب والبهتان المبين ( الدرر السنية 10/ 147)

النص الثانى عشر :  المسلم إذا أشرك بالله بعد بلوغ الحجة، أو المسلم الذي يفضل هذا على الموحدين أو يزعم أنه على حق، أو غير ذلك من الكفر الصريح الظاهر الذي بينه الله ورسوله وبينه علماء الأمة، أنا نؤمن بما جاءنا عن الله وعن رسوله من تكفيره

(مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد   ص 12)

 

توضيح أقول للإمام ظاهرها  عدم العذر بالجهل

النص الأول : فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل ) (كشف الشبهات))

الرد هو : فهذا النص مجمل  وكلام الشيخ السابق يبينه

وأيضاً كلمة  ” وقد يقولها .. ” هذه للتقليل فيحمل كلامه – رحمه الله – على من سب الله تعالى أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإنه لا يعذر ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعذر أولئك الذين استهزؤوا به وبأصحابه بل كفرهم

النص التانى : ( … إذا عرفت هذا عرفت لا إله إلا الله، وعرفت أن من نخا “دعا” . نبياً أو ملكاً أو ندبه أو استغاث به فقد خرج من الإسلام. وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) (الدرر السنية في الأجوبة النجدية (2/82)

والرد هو : فهذا النص – كما هو واضح – يتكلم حول التكفير بالعموم وليس حول مسألة تكفير المعين، ولا شك أن من فعل ذلك يكفر إذا قامت عليه الحجة.

النص الثالث : قوله رحمه الله في شرح حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: (( ما هذه ؟ قال: من الواهنة. فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً )) (رواه احمد وضعفه الالبانى).

ويقول في شرح الحديث: ( فيه مسائل: … فيه شاهد لكلام الصحابة أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر. الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة ) (كتاب التوحيد)) للشيخ محمد بن عبد الوهاب،

والرد هو : أولاً : حديث عمران ضعيف لايصح  ضعفه الإمام احمد والالبانى وغيرهما

ثانياً : الحديث حجة لمن يقل بالعذر بالجهل لان النبى لم يكفره ولم يقل له  لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً إلا بعدما فهمه واقام عليه الحجة بقوله انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً ….. فتأمل

ثالثاً : الحديث   في الشرك الأصغر، وليس في الشرك الأكبر المخرج من الملة، فإذا كان الشيخ – كما نقلنا سابقاً – يعذر بالجهل في الشرك الأكبر، فالعذر بالشرك الأصغر من باب أولى  فيكون قول الشيخ ” إنه لم يعذر بالجهالة” مقيد بأن ذلك بعد قيام الحجة عليه

أما من قال: (فإذا كان الرجل لم يعذر بالجهالة في أمر من أمور الشرك الأصغر، فكيف بالشرك الأكبر؟!)( الجواب المفيد : 26.)، فيقال له: إن الوقوع في الشرك الأصغر – حتى لو قامت الحجة على صاحبه – لا يصير صاحبه مرتداً عن الإسلام، بخلاف الوقوع في الشرك الأكبر بعد قيام الحجة، فكيف يقاس هذا على ذاك؟!

النص الرابع :-  قوله رحمه الله : (… فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية، أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرف، أما أصول الدين التي أوضحها الله في كتابه فإن حجة الله هي القرآن: فمن بلغه فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة، وفهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا}(سورة الفرقان آية : 44.))( مجموعة الشيخ فتاوى ومسائل 12،13.).

والرد هو فأصل هذه المقالة، إجابة عن سؤال من بعض المشايخ(وهم عيسى بن قاسم، و أحمد بن سويلم فتاوي ومسائل 12.)يسألون الإمام عن قول شيخ الإسلام ابن تيمية يقول فيه: (من جحد ما جاء به الرسول وقامت به الحجة فهو كافر).

فأجاب الإمام: (… ما ذكرتموه من قول الشيخ كل من جحد كذا وكذا، وأنكم شاكون في هؤلاء الطواغيت وأتباعه    هل قامت عليهم الحجة أم لا؟ فهذا من العجب العجاب، كيف تشكون في هذا وقد وضحته لكم مراراً؟ فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية، أو يكون في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرف، و أما أصول الدين التي أوضحها الله في كتابه فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه فقد بلغته الحجة…)( مجموعة الشيخ 9/12، الفتاوي والمسائل.)

فالإمام هنا يتكلم عن أناس معينين قد قامت عليهم الحجة، حيث أقام عليهم الإمام الحجة، فشرح لهم التوحيد وحذرهم من الشرك، فمثل هؤلاء لا يعذرون في مسألة التوحيد والشرك ولا في المسائل الظاهرة المتواترة.

ومن تأمل سيرة الإمام – رحمه الله – وأطلع على رسائله الشخصية وخاصة القسم الرابع منها(انظر مجموعة الشيخ والرسائل الشخصية 12/201- 245.)، يتبين له، هذا الفهم، ففي رسالته إلى أحمد بن إبراهيم مطوع مرات قال: (…وصار الخلاف في أناس معينين أقروا أن التوحيد الذي ندعوا إليه دين الله ورسوله، و أن الذي ننهى عنه في الحرمين والبصرة والحسا هو الشرك بالله، ولكن هؤلاء المعينين هل تركوا التوحيد بعد معرفته، وصدوا الناس عنه؟ أم فرحوا به وأحبوه ودانوا به وتبرأوا من الشرك وأهله؟ فهذه ليس مرجعها إلى طالب العلم بل مرجعها إلى علم الخاص والعام، مثال ذلك إذا صح أن أهل الحسا والبصرة يشهدون أن التوحيد الذي نقول دين الله ورسوله، و أن هذا المفعول عندهم في الأحياء والأموات هو الشرك بالله، ولكن أنكروا علينا التكفير والقتال خاصة، والمرجع في هذه المسألة إلى الحضر والبدو والنساء والرجال. هل أهل قبة الزبير وقبة الكواز تابوا من دينهم، وتبعوا ما أقروا به من التوحيد؟ أو هم على دينهم…)( المرجع السابق 12/204)

فيتضح لنا من هذا النص أن الشيخ يتكلم عن أناس معينين قد أقام عليهم الحجة فعرفوا التوحيد، بعد ذلك وقعوا في الشرك وعادوا أهل التوحيد، ولكي يؤكد الإمام كلامه هنا، بين أن العامة والخاصة من الحضر والبدو والنساء والرجال يشهدون بذلك (أي وقوعكم بالشرك بعدما عرفتم التوحيد) فهي مسألة لا تحتاج إلى عالم أو طالب علم ليثبتها، والله أعلم.

ومثل ذلك ما جاء في رسالته إلى سليمان بن سحيم، حيث قال فيها: (… أنكم تقرون أن الذي يأتيكم من عندنا هو الحق و أنت تشهد به ليلاً ونهاراً، و إن جحدت هذا شهد عليك الرجال والنساء ثم مع هذه الشهادة أن هذا دين الله و أنت وأبوك مجتهدان في عداوة هذا الدين ليلاً ونهاراً ومن أطاعكما، وتبهتون وترمون المؤمنين بالبهتان العظيم، وتصورون على الناس الأكاذيب الكبار فكيف تشهد أن هذا دين الله ثم تتبين في عداوة من تبعه؟

الوجه الثاني: إنك تقول إني أعرف التوحيد وتقر أن من جعل الصالحين وسائط فهو كافر والناس يشهدون عليك أنك تروح للمولد وتقرؤه لهم وتحضرهم وهم ينخون ويندبون مشايخهم ويطلبون منهم الغوث والمدد وتأكل اللقم من الطعام المعد لذلك، فإذا كنت تعرف أن هذا كفر فكيف تروح لهم وتعاونهم عليه وتحضر كفرهم؟.. إلى أن يقول: و أما الدليل على أنك رجل معاند، ضال على علم، مختار الكفر على الإسلام، فمن وجوه:

الأول: إني كتبت ورقة لابن صالح من سنتين فيها تكفير الطواغيت شمسان وأمثاله، وذكرت فيها كلام الله ورسوله وبينت الأدلة، فلما جاءتك نسختها بيدك لموسى بن سليم ثم سجلت عليها وقلت: ما ينكر هذا إلا أعمى القلب، وقرأها موسى في البلدان وفي منفوحة وفي الدرعية وعندنا، ثم راج بها للقبلة، فإذا كنت من أول موافقا لنا على كفرهم، وتقول: ما ينكر هذا إلا من أعمى الله بصيرته فالعلم الذي جاءك بعد هذا يبين لك أنهم ليسوا بكفار بينه لنا…)( انظر الرسالة بطولها، مجموعة الشيخ، الرسائل الشخصية 226-237، وانظر رسالته إلى رجل من أهل الاحساء يقال له أحمد بن عبد الكريم ص216-217. )

وبذلك نفهم من قول الإمام في آخر النص المذكور: (… و أما أصول الدين التى أوضحها الله في كتابه فإن حجة الله هي القرآن: فمن بلغه فقد بلغته الحجة…)( بعض من يحتج بهذا الكلام، يرى أن الحجة في أصول الدين قائمة بمقتضى الميثاق!! لكن الشيخ يؤكد أن حجة الله هي القرآن : فمن بلغه فقد بلغته الحجة، وانظر إرشاد المسلمين في الرد على القبوريين لابن معمر 68-72)، أي (أصول الدين) من مسائل التوحيد والشرك والواجبات الظاهرة المتواترة والمحرمات الظاهرة المتواترة، لا يعذر فيها أمثال هؤلاء المذكورين لأنهم ليسوا حديثي عهد بإسلام ولا نشأوا ببادية بعيدة عن أهل العلم ، وليست هذه المسائل كالمسائل الخفية التي يعذرون بها مع عدم قيام الحجة.

يتضح لنا من كل ما سبق أن مذهب الإمام المجدد في هذه المسألة، هو مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – أما قول الإمام في آخر النص (… ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وفهم الحجة…) فيحتمل معنيين:

الأول: أن أمثال هؤلاء المذكورين، ممن بلغتهم الدعوة، وتمكنوا من فهمها، لا يعذرون بجهل الأحكام الظاهرة المتواترة ولا الواجبات الظاهرة المتواترة، ولذلك ضرب الإمام مثاليين يؤكدان هذا الفهم.

المثال الأول: الخوارج: فالخوارج عاشوا في دار العلم مع الصحابة فلا يمكن أن يدعوا أنهم لم يفهموا الحجة في مثل الأصول المجمع عليها.

والمثال الآخر: القدرية: قال رحمه الله: (وكذلك إجماع السلف على تكفير ناس من غلاة القدرية وغيرهم، مع كثرة علمهم، وشدة عبادتهم، مع كونهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل أنهم لم يفهموا) (مجموعة الشيخ 9/13.).

فانظر إلى قوله (مع كثرة علمهم) فهؤلاء ليسوا حديثي عهد بإسلام ولم يكن جهلهم في أمور خفية، فلا يعذرون بسبب سوء فهمهم، و أيضاً، انظر إلى دقة عبارة الشيخ حيث قال: (…على تكفير ناس من غلاة القدرية وغيرهم)، فلم يكفر السلف كل من قال بقول القدرية(سيأتي تفصيل لذلك عند الكلام عن مسألة “حكم المتأولين”)، و إنما كفروا معينين قامت عليهم الحجة.

ومما يؤكد هذا الفهم، ما ذكره الشيخ في موضع آخر حيث قال: (… فإذا كان المعين، يكفر إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر رضي الله عنه، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه}(الأنعام، آية : 25.)، وقوله: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون}(سورة الأنفال، آية : 22.))( مجموعة الشيخ 12/220،221.)،

الاحتمال الثاني: أن الفهم المقصود هنا هو (فهم الهداية، فليس كل من بلغته الحجة وفهمها يهتدى بها لكن الله قد جعل فهم الدلالة شرطاً في تكليف عموم الناس مؤمنهم وكافرهم، ولم يجعل فهم الهداية والتوفيق إلا لمن أراد لهم ذلك) (ضوابط التكفير، عبد الله القرني 344.)، وهذا الفهم هو المذكور في الآيات من مثل قوله تعالى: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون}(سورة الأنفال، آية : 22)، وقال تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون…} الآية (سورة الفرقان، آية : 44.)وغير ذلك من الآيات، وبشكل عام لا تعارض بين الاحتمالين فكلاهما مكمل للآخر.

مذهب أبنائه وأحفاده وأتباعه

وقد أوضح هذا الأصل ـ أعني عدم تكفير المعين بعمل من أعمال الشرك الظاهر ابتداء ـ علماء الدعوة المباركة بعد الشيخ الإمام، وبينوا أن هذا حقيقة منهجه في هذه المسألة.

فهذا الإمام عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب:، يقول معلقاً على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية:

(وتأمل كلامه فيمن دعا نبياً أو ولياً أن يقول: يا سيدي فلان أغثني ونحوه، أنه يستتاب فإن تاب و إلا قتل، تجده صريحاً في تكفير أهل الشرك وقتلهم بعد الاستتابة وإقامة الحجة عليهم…( الكلمات النافعة 17،18.)

ويقول ايضاً : وأمّا الجواب عن السّؤال الثّالث عن حال مَن صدر منه كفر من غير قصدٍ؛ بل هو جاهل، هل يعذر أم لا؟ سواء كان ذلك الشّيء قولاً، أو فعلاً، أو اعتقاداً، أو توسّلاً؟

فنقول: إذا فعل الإنسان الذي يؤمن بالله ورسوله ما يكون فعله كفراً، أو قوله كفراً، أو اعتقاده كفراً جهلاً منه بما بعث الله به رسوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فهذا لا يكون عندنا كافراً، ولا نحكم عليه بالكفر حتى تقوم الحجة الرّسالية التي يكفر من خالفها.

فإذا قامت عليه الحجّة، وبيّن له ما جاء به الرّسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وأصرّ على فعل ذلك بعد قيام الحجّة، فهذا هو الذي يكفر؛ وذلك لأنّ الكفر إنّما يكون بمخالفة كتاب الله وسنة رسوله، وهذا مجمع عليه بين العلماء في الجملة واستدلوا بقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}، [الإسراء: من الآية: 15].

وبقوله: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ}، [الزّمر: 71].

واستدلّوا أيضاً بما ثبت في الصّحيحين والسّنن وغيرها من كتب الإسلام من حديث حذيفة أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال: “إنّ رجلاً مِمَّن كان قبلكم قال: لبنيه إذا أنا منت فاحرقونِي ثم ذروا نصفي في البرّ ونصفي في البحر، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبنِي عذاباً لا يعذّبه أحداً من العالمين، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر الله البرّ فجمع ما فيه، ثم قال له: كن فإذا الرّجل قائم، قال الله: ما حملك على ذلك؟ قال: خشيتك ومخافتك فما تلافاه أن رحمه” فهذا الرّجل اعتقد أنّه إذا فعل به ذلك لا يقدر الله على بعثه جهلاً منه لا كفراً، ولا عناداً، فشكّ في قدرة الله على بعثه، ومع هذا غفر له ورحمه  وكلّ مَن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة بالرسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ولكن الجاهل يحتاج إلى مَن يعرّفه بذلك من أهل العلم.والله سبحانه وتعالى أعلم. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم. ( الدرر السنية 10/239)

وفي موضع آخر نقل كلاماً طويلاً لشيخ الإسلام وفيه قوله: (… و أن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم، ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول…)( انظر هذا الكلام ص261.)، فقال الشيخ عبد الله بن محمد معلقاً على ذلك: (وتأمل – أيضاً – قوله الشيخ رحمه الله تعالى في آخر الكلام، ولا ريب أن أصل قول هؤلاء هو الشرك الأكبر والكفر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة، و أن ذلك يستلزم الردة عن الدين، والكفر برب العالمين، كيف صرح بكفر من فعل هذا أو ردته عن الدين إذا قامت عليه الحجة من الكتاب والسنة، ثم أصر على فعل ذلك، وهذا لا ينازع فيه من عرف دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، والله أعلم) (الكلمات النافعة 78.).

وقال  أيضاً : بعد كلامه عن الشفاعة، و أنها تطلب من الله عز وجل، وأن من قال: يا رسول الله أو يا ولي الله أسألك الشفاعة أو غيرها، فقد وقع في الشرك، قال: (فإن قال قائل منفر عن قبول الحق و الإذعان له: يلزم من تقريركم وقطعكم في أن من قال: يا رسول الله أسألك الشفاعة – أنه مشرك مهدر الدم – أن يقال بكفر غالبة الأمة، ولا سيما المتأخرين لتصريح علمائهم المعتبرين أن ذلك مندوب.. إلى أن قال: ونحن نقول فيمن مات (تلك أمة قد خلت) ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجة، وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبراً معانداً، كغالب من نقاتلهم اليوم يصرون على ذلك الإشراك، ويمتنعون من فعل الواجبات، ويتظاهرون بأفعال الكبائر المحرمات… فإن قلت: هذا فيمن ذهل فلما نبه انتبه، فما القول فيمن حرر الأدلة، واطلع على كلام الأئمة القدوة، واستمر مصراً على ذلك حتى مات؟

قلت: ولا مانع من أن نعتذر لمن ذكر، ولا نقول إنه كافر، لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته بلسانه، وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة، ولا وضحت له المحجة…) (الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/149) فانظر إلى آخر كلامه: (لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته..) نجده صريحاً في أن قيام الحجة يختلف من زمن إلى زمن ومن شخص إلى شخص، ولا فرق بين مسألة وأخرى.

وذكر  العلامة بن سحمان في كتابه ” منهاج الحق والاتباع” قول الشيخ حسين بن محمد، و أخيه الشيخ عبد الله بن محمد لما سئلا عن مسائل عديدة فأجابا عنها ثم قالا: (و أما المسألة الثامنة عشرة في أهل بلد بلغتهم هذه الدعوة، وأن بعضهم يقول إن هذا الأمر حق، ولا غير منكراً ولا أمر بالمعروف ولا عادي … وينكر على الموحدين إذا قالوا تبرأنا من دين الآباء والأجداد… فما تقولون في هذه البلدة على هذه الحال؟ مسلمين أم كفاراً؟ وما معنى قول الشيخ إنا لا نكفر بالعموم؟ وما معنى العموم والخصوص؟ (الجواب) أن أهل البلد المذكورين إذا كانوا قد قامت عليهم الحجة التي يكفر من خالفها، حكمهم حكم الكفار، والمسلم الذي بين أظهرهم ولا يمكنه إظهار دينه تجب عليه الهجرة إذا لم يكن ممن عذر الله… والسامعين كلام الشيخ أنا لا نكفر بالعموم، فالفرق بين العموم والخصوص ظاهر، فالتكفير بالعموم أن يكفر الناس كلهم عالمهم وجاهلهم من قامت عليه الحجة ومن لم تقم، و أما التكفير بالخصوص فهو أن لا يكفر إلا من قامت عليه الحجة بالرسالة التي يكفر من خالفها) (منهاج الحق والاتباع ص58)

قال العلامة عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: (وقال شيخنا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: سألني الشريف عما نقاتل عليه وما نكفر به؟ فقال في الجواب: إنا لا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان بعد التعريف إذا عرف ثم أنكر”(المورد العذب الزلال ضمن مجموعة “عقيدة الموحدين” ص186.).

(وقال قد سئل عن مثل هؤلاء الجهال فقرر: أن من قامت عليه الحجة وتأهل لمعرفتها يكفر بعبادة القبور، و أما من أخلد إلى الأرض واتبع هواه فلا أدري ما حاله) (حكم تكفير المعين للعلامة إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ص18.)

وقوله: (… إن معصية الرسول في الشرك وعبادة الأوثان بعد بلوغ العلم، كفر صريح، بالفطرة والعقول والعلوم الضرورية..) (مفيد المستفيد ص27)

يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمه الله: (من بلغته دعوة الرسل إلى توحيد الله ووجوب الإسلام له، وفقه أن الرسل جاءت بهذا لم يكن له عذر في مخالفتهم وترك عبادة الله. وهذا هو الذي يجزم بتكفيره إذا عبد غير الله وجعل معه الأنداد والآلهة. والشيخ (يقصد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.) وغيره من المسلمين لا يتوقفون في هذا. وشيخنا رحمه الله قد قرر هذا وبينه وفاقاً لعلماء الأمة وافتداء بهم. ولم يكفر إلا بعد قيام الحجة وظهور الدليل، حتى أنه رحمه الله توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من ينبهه ) (مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام)) (ص/324-325)

ويقول  أيضاً :( وكان شيخنا محمد بن عبد الوهاب يقرر في مجالسه ورسائله أنه لا يكفر إلا من عرف دين الرسول، وبعد معرفته تبين في عدواته ومسبته. وتارة يقول: وإذا كنا لا نكفر من يعبد قبة الكواز ونحوه ونقاتلهم حتى نبين لهم وندعوهم فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا ؟ ويقول في بعضها: وأما من أخلد إلى الأرض واتبع هواه فلا أدري ما حاله (يقصد بذلك من ثبت له عقد الإسلام وهو يعمل بعض أعمال الشرك، ولم يعلم أن الحجة قد قامت عليه فعلاً.). وإذا كان هذا كلام شيخنا وهذه طريقته، فكيف يلزمه العراقي (هو ابن جرجيس الذي رد عليه الشيخ عبد اللطيف بكتابه هذا (منهاج التأسيس ..).) وينسب إليه التكفير بالعموم ؟ ) (منهاج التأسيس)) (ص/187-188).).

ويقول أيضاً ( والشيخ محمد رحمه الله تعالى من أعظم الناس توقفاً وإحجاماً عن إطلاق الكفر، حتى إنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم، إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر مرتكبها ) ((منهاج التأسيس)) (ص/65-66).

وقال أيضاً :  في توضيح هذه المسألة عند تعليقه على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي قال فيه: (ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه)، قال الشيخ عبد اللطيف: (وشيخنا رحمه الله قد قرر هذا وبينه وفاقاً لعلماء الأمة واقتداءاً بهم، ولم يكفر إلا بعد قيام الحجة وظهور الدليل، حتى إنه رحمه الله توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من ينبهه، وهذا هو المراد بقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى: ” حتى يبين لهم ما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم– “.

فإذا حصل البيان الذي يفهمه المخاطب ويعقله فقد تبين له، وليس بين بين وتبين فرق بهذا الاعتبار لأن كل من بين له ما جاء به الرسول أصر وعاند فهو غير مستجيب، والحجة قائمة عليه سواء كان إصراره لشبهة عرضت له، أو كان ذلك عن عناد وجحود واستكبار.. إلى أن يقول: وكذلك كل من بلغته دعوة الرسل بلوغاً يعرف منه المراد والمقصود، فرد ذلك لشبهة أو نحوها فهو كافر و إن التبس عليه الأمر وهذا لا خلاف فيه) (مصباح الظلام، 325، 326، وانظر الضياء الشارق 374، 375

ويقول أيضاً: (فإنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر) (مجموعة الرسائل والمسائل 3/5.)،

ويقول أيضاً : وأما قوله: (وجعل بلاد المسلمين كفاراً أصليين).

فهذا كذب وبهت، ما صدر وما قيل، ولا أعرفه عن أحد من المسلمين فضلاً عن أهل العلم والدين؛ بل كلهم مجمعون على أن بلاد المسلمين لها حكم الإسلام في كل زمان ومكان. وإنما تكلَّم الناس في بلاد المشركين، الذين يعبدون الأنبياء والملائكة والصالحين، ويجعلونهم أنداداً لله ربِّ العالمين، أو يسندون إليهم التصرف والتدبير كغلاة القبوريين، فهؤلاء تكلم الناس في كفرهم وشركهم وضلالهم، والمعروف المتفق عليه عند أهل العلم: أن من فعل ذلك ممن يأتي بالشهادتين يحكم عليه بعد بلوغ الحجة بالكفر والردَّة ولم يجعلوه كافراً أصلياًّ { مصباح الظلام 52}

ويقول الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله :-  في بيان حقيقة منهج الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في هذه القضية، والرد على من ادعى أن الشيخ لا يشترط في التكفير قيام الحجة على المعين:

( اعلم أن مشايخ أهل الإسلام وإخوانهم من طلبه العلم، الذين هم على طريقتهم، هم الذين ساروا على منهاج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وأخذوا بجميع أقواله في حاضرة أهل نجد وبواديهم الذين كانوا في زمانه. فأخذوا بقوله في الموضوع السادس الذي نقله من السيرة في بوادي أهل نجد، حيث قام بهم الوصف المكفر لهم، بعد دعوتهم إلى توحيد الله وإقامة كتبها للشريف، لما سأله عما يكفر به الناس ويقاتلهم عليه. وكذلك ما ذكره في رسالته إلى السويدي وأنه يكفر الناس بالعموم، وكذلك ما ذكره أولاده بعده في هذه المسائل، ونحن نسوق ما ذكروهقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في رسالته إلى الشريف بعد أن ذكر ما يكفر الناس به ويقاتلهم عليه مما هو معلوم عنه مشهور. قال: وأما الكذب والبهتان فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر أن يظهر دينه في بلده، أو إنا نكفر من لم يكفر ولم يقاتل، وأمثال هذا وأضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان، والذين يصدون الناس به عن دين الله ورسوله.

وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر أحمد البدوي لأجل جهلهم وعدم وجود من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ولم يقاتل. سبحانك هذا بهتان عظيم. بل نكفر الأنواع الأربعة لأجل محادتهم لله ورسوله. وهذا بخلاف ما عليه هؤلاء الجهال، فإنهم يكفرون الناس بالعموم، ويكفرون من لم يهاجر، كما هو معلوم مشهور عنهم … ) (منهاج أهل الحق والاتباع)) للشيخ سليمان بن سحمان (ص/56-57).).

وقال – رحمه الله -: (أما تكفير المسلم فقد قدمنا أن الوهابية لا يكفرون المسلمين، والشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – من أعظم الناس توقفاً وإحجاماً عن إطلاق الكفر، حتى أنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها) (الضياء الشارق 372، وانظر في هذا المعنى ص211.).

وقال أيضاً: (ونحن لم نكفر أحداً بذنب دون الشرك الأكبر الذي أجمعت الأمة على كفر فاعله، إذا قامت عليه الحجة، وقد حكى الاجماع على ذلك غير واحد كما حكاه في “الإعلام لابن حجر الشافعي”(الضياء الشارق ص82.)،

وقال أيضاً :  في كتابه “تبرئة الشيخين”: (فلم يكفررحمه الله – إلا عباد الأوثان من دعاة الأولياء والصالحين وغيرهم ممن أشرك بالله وجعل له أنداداً بعد إقامة الحجة ووضوح المحجة، وبعد أن بدأوه بالقتال فحينئذ قاتلهم) (تبرئة الشيخين ص68.)

ويقول أيضاً : وأما قول السائل: هل كل تقوم به الحجة أم لا بد من إنسان يحسن إقامتها على من أقامها عليه؟ فالذي يظهر لي _والله أعلم_ أنها لا تقوم الحجة إلا بمن يحسن إقامتها, وأما من لا يحسن إقامتها: كالجاهل الذي لا يعرف أحكام دينه, ولا ما ذكره العلماء في ذلك, فإنه لا تقوم به الحجة فيما أعلم, والله أعلم. ((منهاج الحق والاتباع)) (ص: 68).

وقال الشيخ السهسواني(هو محمد بن بشير السهسواني الهندي: عالم بالحديث والفقه، ولد في لكنهؤ سنة 1250ه، دعاه صديق خان إلى بهوبال سنة 1295، ففوض إليه رياسة المدارس الدينية فيها، له عدة مؤلفات، توفي في دلهي سنة 1326هانظر الأعلام 6/53.)صاحب كتاب: ” صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان” مدافعاً عمن يتهم الإمام محمداً بأنه يجعل بلاد الإسلام كفاراً أصليين، فقال: (و أما قول المفتري وجعل بلاد المسلمين كفاراً أصليين فهذا كذب وبهت ما صدر وما قيل، ولا أعرفه عن أحد من المسلمين فضلاً عن أهل العلم والدين بل كلهم مجمعون على أن بلاد المسلمين لها حكم الإسلام في كل مكان وزمان، و إنما تكلم الناس في بلاد المشركين الذين يعبدون الأنبياء والملائكة والصالحين ويجعلونهم أنداداً لله رب العالمين، ويسندون إليهم التصرف والتدبير كغلاة القبوريين، فهؤلاء تكلم الناس في كفرهم وشركهم وضلالهم، والمعروف المتفق عليه عند أهل العلم، أن فعل ذلك ممن يأتي بالشهادتين، يحكم عليه بعد بلوغ الحجة بالكفر والردة ولم يجعلوه كافراً أصلياً…)( صيانة الإنسان 445، أصل هذه المقالة للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، انظر مصباح الظلام ص22، 23).

ولخص كلام الشيخ أن هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام ممن أتوا بالشهادتين، لا يحكم عليهم بالردة إذا فعلوا الشرك إلا بعد بلوغ الحجة.

هذا العلامة أبو المعالي محمود شكري الألوسي*أحد أكبر أنصار دعوة الشيخ في العراق في رده الشهير على النبهاني صاحب كتاب (شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق) يقرر هذا الأمر في كتابه، بعد ما ساق كلاماً طويلاً لشيخ الإسلام في رده على البكري، ومنه الكلام الذي ذكرنا من قبل فيقول – رحمه الله-: (والذي تحصل مما سقناه من النصوص: أن الغلاة ودعاة غير الله وعبدة القبور إذا كانوا جهلة بحكم ما هم عليه، ولم يكن أحد من أهل العلم قد نبههم على خطئهم فليس لأحد أن يكفرهم، و أما من قامت عليه الحجة و أصر على ما عنده واستكبر استكباراً، أو تمكن من العلم فلم يتعلم فسنذكر حكمه في الآتي …)( غاية الأماني في الرد على النبهاني 1/36)

قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ :

ولهذا نقول: كل طلبِ شفاعة من الأموات أو الغائبين ممن لا يملكها أو لا يستطيعها أو لم يُؤذن له فيها شرعا في حياة البرزخ فإنّ هذه من الشرك بالله  لكنّ الشُّبْهَة في الشفاعة كبيرة وتحتاج إلى إقامة الحجة على المخالف أكثر من غيرها من مسائل العقيدة.

المشركون لم يكونوا يطلبون من آلهتهم الدّعاء، لم يكونوا يطلبون من أوثانهم لتشفع ولكن كانوا يتقربون إليها لتشفع.

فإذن صورة طلب الشفاعة من الميّت محدثة.

ولهذا يُعَبِّر كثير من أهل العلم عن طلب الشفاعة من الأموات بأنها بدعة محدثة؛ لأنّها لم تكن فيما قبل الزمان الذي أُحدثت فيه تلك المحدثات في هذه الأمة.

فإذاً تعبير بعض أهل العلم عنها بأنها بدعة، لا يعني أنها ليست بشرك؛ لأنَّ البِدَعَ منها ما هو كفري شركي ومنها ما هو دون ذلك.

تفاصيل مسألة الشفاعة من حيث تعلقها بتوحيد الإلهية مبسوط في شرح كتاب التوحيد كما هو معروف، والمقام في شرح العقيدة العامة لا يتسع لتفصيل الكلام على ذلك.

المصدر سلسلة  ((إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل – الشريط الخامس عشر))

وقال : إقامة الحجة تحتاج:

إلى مقيم.

وإلى صفة.

أما المقيم: فهو العالِمُ بِمَعْنَى الحُجَّةْ، العالِمُ بحال الشخص واعتقاده.

وأما صفة الحجة: فهي أن تكون حُجَّةً رساليّةً بَيَّنَةً، قال تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ  . إبراهيم:4].

وقال فى نفس الشريط :

فإنَّ تكفير من كَفَّرَهُ الله ? بالنوع واجب والامتناع عن ذلك من الامتناع عن شرع الله .

وأمَّا المُعَيَّنْ فإنهم لا يُكَفِّرُونَه إلا إذا اجتمعت الشروط وانتفت الموانع.

وعند من تجتمع الشروط وتنتفي الموانع؟

عند من يُحْسِنُ إثبات البيّنات و يُحْسِنُ إثبات الشرط وانتفاء المانع وهو العالم بشرع الله الذي يَصْلُحُ للقضاء أو للفتيا، فيحكم على كل معين بما يستحقه

 المصدر سلسلة ((إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل)) الشريط السادس والعشرون

وجاء فى : كتاب  مجموعة الرسائل والمسائل النجدية

المبحث الثالث فيمن مات على التوحيد، وإقامة قواعد الإسلام الخمس، وأصول الإيمان الستة، ولكنه كان يدعو وينادي ويتوسل في الدعاء  إذا دعا ربه ويتوجه بنبيه في دعائه معتمدا على الحديثين اللذين ذكرناهما، أو جهلا منه وغباوة، كيف حكمهم؟

(فالجواب) أن يقال: قد قدمنا الكلام على سؤال الميت، والاستغاثة به، وبينا الفرق بينه، وبين التوسل به في الدعاء، وأن سؤال الميت، والاستغاثة به في قضاء الحاجات وتفريج الكربات، من الشرك الأكبر الذي حرمه الله تعالى ورسوله، واتفقت الكتب الإلهية، والدعوات النبوية على تحريمه وتكفير فاعله والبراءة منه ومعاداته؛ ولكن في أزمنة الفترات، وغلبة الجهل لا يكفر الشخص المعين بذلك حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة، ويبين له ويعرف أن هذا هو الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله.فإذا بلغته الحجة، وتليت عليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ثم أصر على شركه فهو كافر؛ بخلاف من فعل ذلك جهالة منه ولم ينبه على ذلك.فالجاهل فعله كفر، ولكن لا يحكم بكفره إلا بعد بلوغ الحجة إليه؛ فإذا قامت عليه الحجة ثم أصر على شركه فقد كفر، ولو كان يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويصلي، ويزكي، ويؤمن بالأصول الستة.  (الدرر السنية في الكتب النجدية – 13 / 273)

فهذه مجموعة نقولات عن كبار أئمة الدعوة وأنصارها وهم الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، وأخوه حسين بن محمد والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ السهسواني والعلامة الألوسي، وهي واضحة كل الوضوح، متشابهة في عباراتها – لا تحتاج إلى شرح وإيضاح، حرصت على سردها كلها ليتبين للقاريء أن هذا الأمر معروف ومشهور عندهم.

ولم أقف على ما يخالف ذلك عن أئمة الدعوة إلا ما نقل عن الإمام أبي بطين، مما ذكرناه سالفاً، وسنأتي الآن لمناقشة قوله – رحمه الله -.

مذهب الإمام عبد الله أبي بطين – رحمه الله – في هذه المسألة:

اشتهر عن الإمام قوله بعدم العذر بالجهل فيمن يقع في الشرك

ولكن الإمام أبا بطين – رحمه الله – له كلام آخر يخالف هذا الكلام وفيه شيء من التوضيح، حيث قال: بعدما حكى قول شيخ الإسلام في رده على البكري  قال: (فقوله رحمه الله: لم يمكن تكفيرهم حتى يبين لهم ما جاء به الرسول، أي لم يمكن تكفيرهم بأشخاصهم وأعيانهم بأن يقال فلان كافر ونحوه، بل يقال هذا كفر ومن فعله كافر، أطلق رحمه الله على فاعل هذه الأمور ونحوها في مواضع لا تحصى، وحكى إجماع المسلمين على كفر هذه الأمور الشركية …)( الانتصار لحزب الله الموحدين ص29، “ضمن مجموعة” ” عقيدة الموحدين”.)،

 فكيف تجمع بين هذين المختلفين؟ فالجواب عن ذلك أن يقال:

لعل مقصد الإمام رحمه الله الرد على من ينفي تكفير جاهل التوحيد بشكل مطلق، حتى لو كان في دار إسلام وعلم، انظر إلى تعليقه على قصة الرجل من بني إسرائيل حيث قال: (ولازم هذه الدعوى أنه ليس لله حجة على أحد إلا المعاند)، والذين يعذرون بذلك لا يقولون هذا، و إنما يقولون إن جاهل التوحيد في دار العلم و الإسلام ولديه قدر من الإدراك لا يعذر فلا يلزم أن لا يكفر إلا المعاند بل هنا المعرض المفرط فى العلم والعمل والدين

وانظر إلى قوله: (وقولك: إن الشيخ تقي الدين وابن القيم يقولان أن من فعل هذه الأشياء لا يطلق عليه أنه كافر مشرك حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية).. و الإمامان ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، لا يقولون ذلك بإطلاق، و إنما يقولان إن حديث العهد بإسلام، ومن نشأ ببادية بعيدة ونحوه يعذر بذلك أما غيرهم فلا.

ويحتمل أن يكون رجع عن هذا القول، ويحتمل أن يكون قد التبس عليه مذهب الشيخين في هذه المسألة. وبكل حال، فمذهب الشيخ  واضح في هذه المسألة – كما بيناً سابقاً –  وحتى لو ثبت انه لا يعذر بالجهل أبداً فهذا واحد خالف أكثر اتباع واقارب الشيخ

وأخيراً نصيحه له : يجب على من نصح نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله ، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله ، فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه أعظم أمور الدين .. وأيضاً : فما تنازع العلماء في كونه كفراً ، فالاحتياط للدين التوقف وعدم الإقدام ، ما لم يكن في المسألة نص صريح عن المعصوم ، وقد استزل الشيطان أكثرالناس في هذه المسألة ، فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره ، وتعدى بآخرين فكفروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم ، ومن العجب : أن أحد هؤلاء لو سئل عن مسألة في الطهارة ، أو البيع ونحوهما ، لم يفت بمجرد فهمه واستحسان عقله ، بل يبحث عن كلام العلماء، ويفتي بما قالوه، فكيف يعتمد في هذا الأمر العظيم، الذي هو أعظم أمور الدين وأشد خطراً، على مجرد فهمه واستحسانه؟ فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين‍! ومحنته من تينك البليتين !!” { الدرر السنية 10/375،374 }

خلاصه منهج الشيخ وأتباعه :-

 

ومما تقدم من كلام الشيخ الإمام ومن كلام علماء الدعوة بعده تبين أن منهجه في تكفير المعين هو منهج أهل السنة والجماعة ، والذي لا يلزم فيه أن نحكم على كل من تلبس بشيء من أعمال الشرك الظاهرة أنه مشرك، بل لابد من تبين حاله وإقامة الحجة عليه بأن ما يفعله هو عبادة لا تصح إلا لله، لأنه قد يجهل ذلك. وعلى هذا فيحمل كلامه في عدم الإعذار بالجهل على أحكام الباطن أو بعد إقامة الحجة أو حكم عام  يخصصه بعض اقواله الاخرى 

كما يحمل كلامه في الإعذار بالجهل على أحكام الظاهر، لأن ذلك إنما يتعلق بأمور جزئية قد يجهل المسلم أنها شرك، فلا يحكم بكفره بمجرد تلبسه بها مالم تقم عليه الحجة الرسالية فيها خصوصاً والله أعلم 

Advertisements

About كريم إمام السلفى

^_^ محب للعلم وأهله مبغض الجهل وأهله

Posted on 10/10/2014, in مُدونات صديقة. Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

مدونة التاعب

أبو المُنتصر محمد شاهين التاعب: باحث في الأديان والعقائد والمذاهب الفكرية المعاصرة

مُكَافِح الشُّبُهات

أبو عمر الباحث - غفر الله له ولوالديه

مدونة أبوعمارالأثري

أبوعمار الأثري: طالب علم متخصص في نقد المسيحية ومقاومة التنصير والرد على الشبهات المثارة حول الإسلام العظيم

الرَّد الصَّرِيح عَلَى مَنْ بدَّل دِينَ المَسِيح

تَحتَ إِشْراف:المُدَافِع السَّلَفِي ــ أَيُّوب المَغْرِبِي

مدوّنة كشف النصارى

للحق دولة ، وللباطل جولة

%d مدونون معجبون بهذه: