تحرير مذهب الإمام بن القيم فى العذر بالجهل

 
                                                                   
مقدمة لابد منها :
يستدل كثيراً  من المخالفين بأقوال العلماء
ونحن نقول لهم قبل أن نناقش قول العالم يجب الأخذ بقواعد مهمة :
1-  يجب التفريق بين النصوص المطلقة والمقيدة:
فمثلاً يستدل البعض بقول عالم من العلماء:
إن من نذر أو استغاث بغير الله فهو كافر مشرك حلال الدم والمال الخ، فيقول هذا المستدل إن مذهب هذا العلم عدم العذر بالجهل في مسائل العقيدة أو التوحيد سواء في دار الإسلام أو غيرها، والدليل أنه قال كافر، مشرك ولم يقل ما لم تقم عليه الحجة أو نحو ذلك، ويرد على هذا الاستدلال، بأن هذا النص عام، وليس فيه تعيين شخص معين، فعند التعيين لابد من قيام الحجة، والعالم لم ينف ذلك، كما أنه لا يلزم أن يقال في كل نص من النصوص العامة: ما لم تقم عليه الحجة، لأن العلماء في كثير من الأحيان لا يذكرون الأعذار، فهم حين يقولون من فعل كذا فقد كفر، لا يقولون إلا إن كان متأولاً أو جاهلاً أو مكرهاً..الخ، ولعل هذا يشبه قولهم: إن الزاني والسارق وشارب الخمر لا يكفرون، لا يلزم أن يقال في كل نص إلا إن كان مستحلاً والله أعلم.
2- يجب التفريق بين النصوص العامة والمخصصة فالعام محتمل لهذا المعنى وغيره فلا يؤخذ منه هذا الاستدلال لعدم وضوح مقصود الأئمة فيه 
3-وقد يكون العالم الفلانى تراجع عن مذهبه فكلامه ينسخ كلامه السابق
والصحيح في مثل هذه النصوص: أنه لا يجوز نسبة قول أو رأي لعالم في مسألة ما إلا بجمع النصوص المختلفة عنه في هذه المسألة أو تلك، ثم بعد ذلك استخلاص رأيه لان كثيراً من المخالفون يدلسون على العلماء  لانهم  اختاروا من كلامهم ما يؤيد رأيهم، وأغفلوا ما يعارضه، وهذا لا يليق بالباحث المنصف، لأنهم في هذه الحالة ينسبون لهؤلاء الأئمة من الأقوال ما لم يقولوها، بل قالوا عكسها.
وينبغي أن نعلم قبل مناقشتها أن الحجة تكون بالكتاب والسنة والإجماع، وليس المرجع في هذه المسائل خاصة إلى قول عالم بعينه مهما علا قدره. لإن الله قال  {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } (59) النساء   والنبى قال { تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى ابدا كتاب الله وسنة رسوله } رواه الحاكم وحسنه الألبانى
ومعلوم إنه :  كلاً يؤخذ بقوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيضاً :   العلماء يحتج لهم ولا يحتج بهم
فإذا كان ليس قولهم حجة ولا يصلح الإستلال بكلامهم بدون دليل فلماذا تناقشون مذهبهم واقوالهم ؟!  
لاسباب ومنها :
1-حتى نثبت إن مذهب أهل السنة والجماعة اليوم فى مسألة ما  ليست  شاذة  ولا محدثه بل لها أثار من أقوال السلف قديماً
2-ولكى نثبت مذهب العالم بتحرى  دون نقص او زيادة او تدليس حتى لا يفترى عليه أحد وينسب له قول ليس قوله على الصيحيح
3- هناك نوع من الناس تقول لهم قال الله قال رسوله لايقتنعون وإذا قلت لهم قال العالم الفلانى يقتنع !
أولاً : نصوص للإمام بن القيم تثبت معتقده فى
العذر بالجهل مطلقاً :
النص الأول :
قال الإمام القيم بن القيم رحمه الله :
فأما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام ولكنهم مخالفون في بعض الأصول كالرافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم فهؤلاء أقسام:
أحدها الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادرا على تعلم الهدى وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا
القسم الثاني المتمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق ولكن يترك ذلك اشتغالا بدنياه ورياسته ولذته ومعاشه وغير ذلك فهذا مفرط مستحق للوعيد آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات فإن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى ردت شهادته وإن غلب ما فيه من السنة والهدى قبلت شهادته
القسم الثالث أن يسأل ويطلب ويتبين له الهدى ويتركه تقليدا وتعصبا أو بغضا أو معاداة لأصحابه فهذا أقل درجاته أن يكون فاسقا وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل
(الطرق الحكمية في السياسة الشرعية 1/255)
قلت : فهذا نص صريح يعذر فيه أهل البدع والفرق الضالة ( وهؤلاء لايقارنون بالسلفية والاخوان وغيرهما مما يكفرونه غلاة التكفير ) سواء المقلد أو المقصر او المتعمد
النص الثانى :
الإمام ابن القيم رحمه الله :
وهو يتحدث عن أنواع كفر الجحود: (…. و أما من جحد ذلك جهلاً، أو تأويلاً يعذر فيه صاحبه: فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه، وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عناداً أو تكذيباً)
(مدارج السالكين 1/367.).
قلت : فهذا نص صريح فى العذر بالجهل فى الكفر الأكبر و من يفرق بين الكفر والنفاق والشرك الأكبر فى العذر بالجهل يلزمه الدليل
النص الثالث :
الفاسق باعتقاده إذا كان متحفظا في دينه فإن شهادته مقبولة وإن حكمنا بفسقه كأهل البدع والأهواء الذين لا نكفرهم كالرافضة والخوارج والمعتزلة ونحوهم هذا منصوص الأئمة
(الطرق الحكمية في السياسة الشرعية 177)
قلت : وذكر فى كتاب الجواب الكافى إن شرك التعطيل اشد من شرك قريش وان الروافض خربوا المساجد وعمروا المقابر بالعبادات
قلت : وهناك نصوص كثيرة للإمام تنص على العذر بالجهل فى الدين كله ولكن أكتفينا بذلك خشية الإطالة ولان النصوص صريحة وتؤدى الغرض
 
ثانياً : نصوص يظن البعض أن الإمام لايعذر بالجهل فيها :
 
النص الأول :
قال العلامة بن القيم رحمه الله  :
الطبقة السابعة عشرة: طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم الذين هم معهم تبعاً لهم يقولون: إنا وجدنا آباءَنا على أُمة، ولنا أُسوة بهم. ومع هذا فهم متاركون لأهل الإسلام غير محاربين لهم، كنساءِ المحاربين وخدمهم وأتباعهم الذين لم ينصبوا أنفسهم لنا نصب له أُولئك أنفسهم من السعى فى إطفاءِ نور الله وهدم دينه وإخماد كلماته، بل هم بمنزلة الدواب.
وقد اتفقت الأُمة على أن هذه الطبقة كفار وإن كانوا جهالاً مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاءِ بالنار وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة، وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث فى الإسلام.
وقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، فأخبر أن أبويه ينقلانه عن الفطرة إلى اليهودية والنصرانية والمجوسية، ولم يعتبر فى ذلك غير المربى والمنشإِ على ما عليه الأبوان.
وصح عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم: “إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وهذا المقلد ليس بمسلم، وهو عاقل مكلف، والعاقل المكلف لا يخرج عن الإسلام أو الكفر. وأما من لم تبلغه الدعوة فليس بمكلف فى تلك الحال، وهو بمنزلة الأطفال والمجانين.
وقد تقدم الكلام عليهم. والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاءَ به، فما لم يأْت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفاراً فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عناداً وإما جهلاً وتقليداً لأهل العناد. (انظر طريق الهجرتين 380- 382.).
والرد :
كلام الإمام ابن القيم رحمه الله –  ليس له علاقة بموضوع بحثنا. فالإمام ابن القيم يتحدث عن طبقات المكلفين في الدار الآخرة، فبعد ما ذكر طبقات أهل الجنة، أخذ في تعداد طبقات أهل النار، ومنهم (الطبقة السادسة عشر: رؤساء الكفر وأئمته ودعاته.. ثم ذكر الطبقة السابعة عشر: طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم…) إلى أن يقول: (وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار و إن كانوا جهالاً مقلدين لرءوسائهم وأئمتهم.. و الإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، و الإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به، فلما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، و إن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل..)
فالإمام كما ترى يتكلم عن طبقات الكفار الأصليين ويبين أن منهم المعاند، ومنهم الجاهلوكلهم كفار لم يخالف في ذلك إلا بعض أهل البدع ونحن لا نختلف معاه فنحن نكفرهم ولا نعذرهم بالجهل  وحديثنا ليس عن هذا، و إنما عن حكم من دخل في الإسلام بالشهادتين، ثم وقع في شيء من أعمال الكفر من الشرك أو غيره جاهلاً الحكم
النص الثانى :
قال العلامة بن القيم رحمه الله  :
 (( إنَّ العذاب يُستحقُّ بسببين:
أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها.
الثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها.
فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، وأمَّا كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل )). (طريق الهجرتين (ص:546)
والرد :
نقول وبالله التوفيق هذه عقيدتنا أيضا فنحن نعتقد أن
الجهل من جهة صاحبه أقسامه ثلاثة :
1 – جهل الاعراض: أن يعرض عن دين الله بالكلية لا يتعلمه ولا يعمل به ولا يدعوا إليه ولا ….
وهذا لا عذر له 
وهذا موافق لكلام الإمام وهو (أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها.)
2 – جهل العناد : أن يعرض عن العمل بالتوحيد بعد إقامة الحجة عليه ونصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر
وهذا لا عذر له
وهذا موافق لكلام الإمام وهو (الثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها..)
3- الجهل الناشئ عن عدم البلاغ  الصحيح : وهذا له أسباب كلها تدل على مظنة الجهل ومنها :
1} عدم وصول الدليل له رغم تمنيه وإجتهاده للتعليم 
2} تقليده لمن يظن فيه الصلاح وهو من أهل الضلال
3} فهمه الخاطئ للنصوص أو تأويلها تأويل فاسد
4} العمل والإعتقاد  بأحاديث لا تصح  ويظنها صحيحة
5} وجوده فى بلد أغلبها شرك وبدع وبعيدة عن أهل العلم الثقات
  ومثل هذا يعذر بجهله وتأويله وتقليده  , وعلى هذا فقس
وهذا موافق لكلام الإمام وهو (، وأمَّا كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل )). أنتهى
 
ملخص قول الإمام :
إن الإمام يعذر بالجهل فى الشرك الأكبر والكفر الأكبر ولافرق عنده بين الخفاء والظهور او الأصول والفروع
 
 
 
 
Advertisements

About كريم إمام السلفى

^_^ محب للعلم وأهله مبغض الجهل وأهله

Posted on 09/10/2014, in مُدونات صديقة. Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

مدونة التاعب

أبو المُنتصر محمد شاهين التاعب: باحث في الأديان والعقائد والمذاهب الفكرية المعاصرة

مُكَافِح الشُّبُهات

أبو عمر الباحث - غفر الله له ولوالديه

مدونة أبوعمارالأثري

أبوعمار الأثري: طالب علم متخصص في نقد المسيحية ومقاومة التنصير والرد على الشبهات المثارة حول الإسلام العظيم

الرَّد الصَّرِيح عَلَى مَنْ بدَّل دِينَ المَسِيح

تَحتَ إِشْراف:المُدَافِع السَّلَفِي ــ أَيُّوب المَغْرِبِي

مدوّنة كشف النصارى

للحق دولة ، وللباطل جولة

%d مدونون معجبون بهذه: