يحث ضوابط العذر بالجهل

مقدمة:

أعلم رحمنى الله وإياك إن  ضوابط  التكفير من أعظم الأبواب تعقيداً  بصفة عامة ومن اعظم المواضيع صعوبة بصفة خاصة موضوع العذر بالجهل  وهذه بعض النقول للأئمة الكبار تؤيد ذلك

قال الإمام ابن أبي العز:

واعلم رحمك الله وإياناأن باب التكفير وعدم التكفير باب عظمت الفتنة والمحنة فيه، وكثر فيه الافتراق، وتشتتت فيه الأهواء والآراء، وتعارضت فيه دلائلهم، 

[ شرح العقيدة الطحاوية ابن أبي العز الحنفي ص 432]

قال شيخ الإسلام بن تيمية:

اضطربت الأمة اضطرابا كثيرا في تكفير أهل البدع والأهواء كما اضطربوا قديما وحديثا في سلب الإيمان عن أهل الفجور والكبائر

[ مجموع الفتاوى ابن تيمية 12 / 466]

وقد كان من أثار تلك الصعوبة أن أتباع الأئمة أضطربوا فى نقل قولهم أو تحرير مذهبهم

قال شيخ الإسلام بن تيمية:

وما من الأئمة إلا من حكي عنه في ذلك ” قولان ” كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم وصار بعض أتباعهم يحكي هذا النزاع في جميع أهل البدع ؛ وفي تخليدهم حتى التزم تخليدهم كل من يعتقد أنه مبتدع بعينه وفي هذا من الخطأ ما لا يحصى ؛ وقابله بعضهم فصار يظن أنه لا يطلق كفر أحد من أهل الأهواء ؛ وإن كانوا قد أتوا من الإلحاد وأقوال أهل التعطيل والاتحاد. [ مجموع الفتاوى ابن تيمية 7 / 618]

والأضطراب الواقع فى التكفير يرجع إلى أسباب أهمهم سببان:

1}   الأضطراب فى ضبط الامور المكفرة وتحديد مناطها

2}   الأضطراب فى ضبط شروط تكفير المعين

ومن هنا كانت قضية العذر بالجهل من أخطر واصعب القضايا وأعمقها مآخذاً  ولذلك

يقول الإمام العثيمين:

وهذه المسألة ـ أعني مسألة العذر بالجهل ـ مسألة عظيمة شائكة، وهي من أعظم المسائل تحقيقاً وتصويراً

[ الشرح الممتع على زاد المستقنع   6 / 163 ]

ومما زادا الأمر صعوبه كثرة المؤلفات فيها  من جميع المناهج وكل واحد يتبنى رأيه وإعتقاده وبعضهم يستدلون بأدلة ليس لها علاقه بالقضية أصلاً  ومنهم من  يحملون كلام السلف محمل خطأ   ومنهم من لا يفرقون بين التكفير المطلق وتكفير المعين  ومنهم من يأتى بنصوص ويترك النصوص الآخرى ومنهم من يأتى بأقوال للعلماء ويترك أقوالهم الآخرى وهكذا وغير ذلك من التخبط البعيد عن المنهج العلمى

وواجبنا نحن:

أن نعذر بعض العلماء الذين تكلموا فى هذه القضيه وأختلفوا

وان نستدل قبل ان نعتقد ولا نعتقد قبل ان نستدل

وان نعطى للمسألة حجمها من القرأة والبحث بهدوء وبلا إستعجال

وأن نعلم إننا دعاة وليس قضاه وواجبنا تعليم الناس وليس تكفيرهم وتبدعهم ووو

وننبه :

 ليعلم الجميع إننا ما كتبنا البحث هذا لرفضنا  قضية التكفير كلا بل التكفير من الدين ولكننا نحارب الغلو فيه كما إننا نحارب التميع والتساهل فيه  وما كتبناه لنشجع الجهلة والمبتدعة أو نغررهم أو نطمنهم بل هذا البحث ليس مكتوباً لهم  ليقرأوه  بل مكتوباً فقط ليناقش حكم شرعى وليستفاد منه طلبه العلم الشرعى وليقرب إليهم المسألة بوضوح وإنصاف 

إذاً: بكل وضوح أنا أوجه كلامي إلى الشباب؛ من سقط منهم في الغلو أو المتساهل أو المتوقف فى  التكفير ومن لم يسقط قبل أن يسقط

والله أسأل أن يعلمنا ويرزقنا الإخلاص فى القول والعمل ويوفقنا لكل خير

تقبيح الشرك:

فالشرك من الأشياء التى تكلم عنه  الله ورسوله كثيراً للتحذير منه ونحن نأتى به فى بداية البحث حتى نذكر أنفسنا والمسلميين بعظمة جرمه وخطورته  حتى  نبتعد عنه  ونكتفى بآيه وحديث خشية الإطالة

قال تعالى : { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (الزمر 65) }

سئل بن مسعود الرسول صلى الله عليه وسلم  : إى الذنب أعظم قال : أن تجعل لله نداً وهو خلقك  قلت ثم إى قال : أن تقتل ولدك من أجل أن يطعم معك قلت ثم إى قال : أن تزنى بحلية جارك  ( متفق عليه

تقبيح الجهل :

إن الجهل مذموم كله فالجهل من الأشياء القبيحة شرعاً وعرفاً ، والجهل جامع للرذائل كلها، ولا فضائل له، فلا يعني إعذار الجاهل بالجهل الرضا به ونحن بدأنا بالتحذير منه حتى لا يعتر أحد  بقولنا الجاهل معذور  وإنما هذا لفت نظر بالنسبة للدعاة أو الذين لهم دور في مواجهة هذا الجهل، وأن لا يشتغلوا بغيره عن محاربته، فنحن لا نذكر العذر بالجهل من أجل أن نطمئن الناس لنقع فيما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (إذاً يتكلوا)، وذلك لقصور عقول الناس عن فهم هذه الأشياء.

ولا ينبغي أن يشاع الكلام في قضية العذر بالجهل كثيراً إلا على مستوى طلبة العلم، لئلا نقع في ذلك المحذور، ويسيء الناس فهم هذا الكلام ولا تطيقه عقولهم فيتمادون ويتمادون في التفريط في حق الله وفي جنب الله تبارك وتعالى.

أهم أسباب أنتشار الجهل والشرك فى واقعنا المعاصر :

الأسباب كثيرة ومنها :

1}  أعتقادهم أحاديث لا تصح إلا النبى  صلى الله عليه وسلم  :

فمثلا فى باب الإستغاثة والتوسل بالنبى  يوجد عشرات الأحاديث لا تصح إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومنها

حديث توسلوا بجاهى فإن جاهى عند الله عظيم  والحديث مكذوب بلا خلاف

وحديث توسل آدم عليه السلام بأسم النبى عندما خرج من الجنة وعندما سأله الله عن علمه بأسم محمد قال رأيت أسمه مقرونا بأسمك على باب الجنة  والحديث كذب بلا خلاف بين العلماء

2} تقليدهم لبعض العلماء الذين أجتهدوا وأخطأوا سواء قديماً أو حديثاً  :

قال شيخ الإسلام

وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونه، ويعتقدون أنه من جنس كلام المشايخ العارفين، الذين يتكلمون بكلام صحيح لا يفهمه كثير من الناس، فهؤلاء تجد فيهم إسلامًا وإيمانًا ومتابعة للكتاب والسنة بحسب إيمانهم التقليدي، وتجد فيهم إقرارًا لهؤلاء وإحسانًا للظن بهم وتسليمًا لهم بحسب جهلهم وضلالهم، ولا يتصور أن يثني على هؤلاء إلا كافر ملحد أو جاهل ضال” أ.هـ

فى مجموع الفتاوى (2/367).

ثم قال (2/379): “ولكن لقولهم سر خفي وحقيقة باطنة لا يعرفها إلا خواص الخلق، وهذا السر أشد كفرًا وإلحاحًا من ظاهره، فإن مذهبهم فيه دقة وغموض وخفاء قد لا يفهمه كثير من الناس.

ولهذا تجد كثيرًا من عوام أهل الدين والخير والعبادة ينشد قصيدة ابن الفارض ويتواجد عليها ويعظمها، ظانًا أنها من كلام أهل التوحيد والمعرفة وهو لا يعلم مراد قائلها، وكذلك كلام هؤلاء يسمعه طوائف من المشهورين بالعلم والدين، فلا يفهمون حقيقته” أ.ه

على سبيل المثال  الإمام  النووي الشافعي المشهور بالعلم والحفظ والإتقان ، قال بعد أن ذكر صفة زيارة النبي ( وصفة السلام عليه وعلى صاحبيه ، والانحراف عن إستدباره واستقبال القبلة بالدعاء ـ قال : ثم يرجع الزائر إلى موقفه الأول قبالة وجه النبي ( ، فيتوسل به في حق نفسه ، ويستشفع به إلى ربه ، ومن أحسن ما يقول : ما حكاه أصحابنا عن العتبى مستحسنين له ـ وذكر قصة العتبى ، وهو تابعي جليل فقال : حكى العتبى أنه قال : كنت جالساً عند قبر النبي ( فجاء أعرابي فقال : السلام عيك يا رسول الله يا صفوة خلق الله أنت الذي أنزل عليك : { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباُ رحيماً } وقد ظلمت نفسي ، وها أنا قد أتيت أستغفر من ذنبي ، اشفع لي إلى ربي ،

قال العتبى رحمه الله :

 ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني فرأيت رسول الله ( فقال : يا عتبى أدرك الأعرابي ، وبشره أن الله قد غفر له . وهذه القصه ذكرها بن كثير فى تفسيره المشهور ولم يضعفها وهو من المحدثين والمفسريين ومن كبار علماء السلف  فى العقيدة ! وذكر السبكى والسيوطى وعلماء كثر

والرد على هذه الشبهة :

 أغلب من يرويها  بلا سند معلقه لا تصح ومن أتى لها بسند فضعفه جمهور المحدثيين و منهم

الحافظ ابن عبدالهادي : قال هذا الخبر منكر موضوع ، لا يصلح الاعتماد عليه ولا يحسن المصير إليه ، وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض . والهيثم جد أحمد بن محمد بن الهيثم أظنه ابن عدى الطائي . فإن يكن هو فهو كذاب متروك وإلا فمجهول .

يقول الإمام العثيمين :

  فهذه الرواية باطلة لا صحة لها; لأن صاحبها مجهول، وكذلك من رواها عنه مجهولون، ولا يمكن أن تصح; لأن الآية: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا} ولم يقل: إذا ظلموا، و”إذ” لما مضى بخلاف “إذا”، والصحابة رضي الله عنهم لما لحقهم الجدب في زمن عمر لم يستسقوا بالرسول صلى الله عليه وسلم وإنما استسقوا بالعباس بن عبد المطلب بدعائه وهو حاضر فيهم { القول المفيد على كتاب التوحيد باب: لا يستشفع بالله على خلقه }

 يقول العلامة صالح بن  الفوزان  :

  أنّ الحكايات والمنامات لا تصلح دليلاً تبنى عليه أحكام وعقائد، وقوله تعالى: {جَاءُوكَ} المراد به: المجيء إليه صلى الله عليه وسلم في حياته، لا المجيء إلى قبره، بدليل أنّه لم يكن أحدٌ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان يأتي إلى قبره صلى الله عليه وسلم { بيان حقيقة التوحيد الذي جاءت به الرسل ودحض الشبهات التي أثيرت حوله  ص 41}

3}  فهمهم الخاطئ للنصوص :

قال شيخ الإسلام بن تيمية :

 نعم قد يشكل على كثير من الناس نصوص لا يفهمونها فتكون مشكلة بالنسبة إليهم لعجز فهمهم عن معانيها ….. لكن قد تخفى آثار الرسالة فى بعض الأمكنة و الأزمنة حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم إما أن لا يعرفوا اللفظ و إما أن يعرفوا اللفظ و لا يعرفوا معناه فحينئذ يصيرون فى جاهلية بسبب عدم نور النبوة و من ههنا يقع الشرك [ مجموع الفتاوى ابن تيمية 17/ 307]

وأنا أيضاً على سبيل المثال عندما تحاورت مع ادمن فى صفحة من صفحات الصوفيه وكان ينشر مقال بعنوان الدليل من الكتاب والسنة إن أولياء الله يتحكمون فى الكون بإذن الله !

وملخص المقال أنه قال إن سيدنا عزرائيل يميت الناس بإذن الله وإيضاً بعض أولياء الله يميت ويحى بأذن الله وسيدنا ميكائيل يرزق الناس بإذن الله وبعض أولياء الله كذلك  وعلى هذا فقس

واستدل بالسنة بحديث إن من أولياء الله إذا قال للشئ كن فسيكون !

وأنا بفضل الله علقت قائلاً :

أولاً  : أسم عزرائيل ليس ثابتاً لا فى كتاب ولا سنة بل الثابت ملك الموت فقط

ثانياً : قياسكم الملائكة على البشر من القياسات الفاسدة فهذا قياس مع الفارق فلكلاً منهم أعماله وأحكامه

ثالثاً : الحديث الوحيد المذكور ياليته ضعيف فقط بل هو من الأكاذيب على رسولنا بإتفاق أهل الحديث

ثم تحاورنا  كثيراً وكان ختامه أنهم أتوا لى بفتوى دار الإفتاء المصريه  بعنوان كرامات الأولياء وملخصها أن الولى يستطيع أحياء الناس ورزق الناس وشفاء الناس ! والفتوى كانت خاليه من إى نص سواء من كتاب الله أو سنة رسوله وعندما أخبرتهم ذلك لم يقبلوا النصيحه !

4}  الغلو في المتبوعين :

حتى أصبح كلامهم مقدمًا على كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، فأصبح الولاء والبراء معقودًا على الانقياد لذلك المتبوع من عدمه ، فمن قبل أقوال ذلك المتبوع فهو المسلم الذي تجب موالاته ، ومن ردها فهو الضال الذي تجب معاداته ، وهذا بلا شك هو الوقود الذي يشعل نار الفتنة بين الأحزاب والطوائف ، ويذكي روح التعصب والتطرف بين الأفراد والجماعات .

فمختصر كلامنا أننا يجب أن نعلم يقياً أن من يقع فى الشرك من بعض  العلماء الذين أفتوا واخطئوا فى بعض المسائل كالتوسل وطلب المدد وغير ذلك وقلدهم بعض جهال الصوفيه وغيرهم يعلمون ان الشرك الاكبر يخرج من الملة قطعاً ويعلمون ان العبادة لا تكون إلا لله فقط ولكن لا يعلمون ان الاستغاثة بغير الله شرك فضلاً على ان تكون عبادة اصلا بل يعتبروها وسائل   وذلك للأسباب التى ذكرناها

تعريف العذر بالجهل :

 : ًالجهل لغة ً

 فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقاداً صحيحاً أو فاسداً ((المفردات)) (ص: 102).

 شرعاً :

 مقصودهم بالجهل الذي يعذر صاحبه: أن يقول قولاً أو يعتقد اعتقاداً بخلاف (الحق)، غير عالم وغير قاصد للمخالفة، رغم اجتهاده في رفع الجهل عن نفسه   (نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي– 1/ 302)

أقسام  الجهل :

الجهل من جهة صاحبه أقسامه ثلاثة :

1 – جهل الاعراض:

 أن يعرض عن دين الله بالكلية لا يتعلمه ولا يعمل به ولا يدعوا إليه ولا.

وهذا لا عذر له 

والدليل : قال تعالي (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3) الاحقاف

والذين جحدوا أن الله هو الإله الحق، عما أنذرهم به القرآن معرضون، لا يتعظون ولا يتفكرون.{ التفسير الميسر مجموعة علماء بالمملكة وبإشراف العلامة صالح  عبد العزيز آل الشيخ }

2 – جهل العناد :

 أن يعرض عن العمل بالتوحيد بعد إقامة الحجة عليه ونصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر

وهذا لا عذر له

والدليل :قال تعالي{ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146 البقرة ) }

الذين أعطيناهم التوراة والإنجيل من أحبار اليهود وعلماء النصارى يعرفون أنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله بأوصافه المذكورة في كتبهم، مثل معرفتهم بأبنائهم. وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون صِدْقه، وثبوت أوصافه.{ التفسير الميسر مجموعة علماء بالمملكة وبإشراف العلامة صالح  عبد العزيز آل الشيخ }

3- الجهل الناشئ عن عدم البلاغ  الصحيح :

 وهذا له أسباب كلها تدل على مظنة الجهل ومنها :

1} عدم وصول الدليل له رغم تمنيه وإجتهاده للتعليم 

2} تقليده لمن يظن فيه الصلاح وهو من أهل الضلال

3} فهمه الخاطئ للنصوص أو تأويلها تأويل فاسد

4} العمل والإعتقاد  بأحاديث لا تصح  ويظنها صحيحة

5} وجوده فى بلد أغلبها شرك وبدع وبعيدة عن أهل العلم الثقات

  ومثل هذا يعذر بجهله وتأويله وتقليده  وعلى هذا فقس

وقد ذكر الأقسام الثلاثة العلامة بن القيم رحمه الله فقال :

 (( إنَّ العذاب يُستحقُّ بسببين:

أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها.

الثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها.

فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، وأمَّا كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل )). (طريق الهجرتين (ص:546)

فبين رحمه الله أن القسم الثالث هذا معذور لوجود علة الجهل والقاعدة : الحكم يدور مع العلة وجوداً وعداً

العذر بالجهل فى التكفير والتبديع والتفسيق سواء :

فنحن إن قلنا العذر بالجهل فذلك شامل الدنيا والآخرة و فى الأصول والفروع  وذلك فى التكفير والتفسيق والتبديع ومن يفرق يأتنا بدليل

قال شيخ الإسلام بن تيمية:

 “فإن نصوص الوعيد التي في الكتاب والسنة ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا يستلزم ثبوت موجبهًا في حق المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع، هذا في عذاب الآخرة فإن المستحق للوعيد من عذاب الله ولعنته وغضبه في الدار الآخرة خالد في النار أو غير خالد، وأسماء هذا الضرب من الكفر والفسق يدخل في هذه القاعدة سواء كان بسبب بدعة اعتقادية أو عبادية أو بسبب فجور في الدنيا وهو الفسق بالأعمال أما أحكام الدنيا فكذلك أيضاً ” أ.هـ.  {مجموع  الفتاوى (10/ 372))

فهذا النص واضح جلى على ان قاعدة الآعذار شاملة  كل مخالفة شرعية بما فيها الشرك الأكبر والحكم سواء دنيا واخرة

يقول الإمام العثيمين:

 

الجهل بالحكم فيما يكفر  كالجهل بالحكم فيما يفسق  ولا فرق لأن الله عز وجل يقول :{ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ *} ويقول الله تعالى :{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}وهذا يشمل كل ما يعذب عليه الإنسان ”  (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 2/221)

وهذه التسويه التى ذكرها المحققين  متوافقه مع اصول التكليف فى الشريعة  وذلك أن العذر بالجهل قائم على اصليين كليين وهما :

1}  إنه لا تكليف على العباد إلا بالشرع المنزل

2}  إن الشرع المنزل لا يلزم الجاهل به 

والأدلة على ذلك :

أولاً  من القرأن الكريم :

الدليل الأول :

قوله تعالى  عن أصحاب موسى  عليه السلام قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}الآعراف  (138)

قال الإمام بن كثير :

أي تجهلون عظمة الله وجلاله وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل .تفسير ابن كثير: 2/ 253))
قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسيرة

:قال موسى صلوات الله عليه

إنكم إيها القوم قوم تجهلون عظمة الله وواجبَ حقه عليكم، ولا تعلمون أنه لاتجوز العبادة لشيء سوى لله

الذي له ملك السموات والأرض.اهـ
الكتاب : جامع البيان في تأويل القرآن(13/80)
قال الإمام السمرفندى رحمه الله

: قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً قال الجهال من بني إسرائيل لموسى اجْعَلْ لَنا إِلهاً نعبده كَما لَهُمْ آلِهَةٌ يعبدونها قالَ لهم موسى:
إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ يعني: تكلمتم بغير علم وعقل، وجهلتم الأمر.اهـ
كتاب :: بحر العلوم المؤلف: أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي (المتوفى: 373هـ)
قال الإمام الواحدي

: هذا إخبار عن عظيم جهل بني إسرائيل حيث توهموا أنه يجوز عبادة غير الله بعد ما رأوا الآيات، ولذلك قال لهم موسى: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [
قال ابن عباس: جهلتم نعمة ربكم فيما صنع بكم . اهـ

الكتاب: الوسيط في تفسير القرآن المجيد
المؤلف: أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (المتوفى: 468هـ)

قال الإمام السمعانى رحمه الله :

{قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لنا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَة} وَلم يكن ذَلِك من بني إِسْرَائِيل شكا فِي وحدانية الله تَعَالَى وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: اجْعَل لنا شَيْئا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إِلَى الله تَعَالَى وظنوا أَن ذَلِك لَا يضر الدّيانَة، وَكَانَ ذَلِك من شدَّة جهلهم. اهـ الكتاب: تفسير القرآن
المؤلف: أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)

قال الإمام البغوي رحمه الله

: وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَكًّا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ اجْعَلْ لَنَا شَيْئًا نُعَظِّمُهُ وَنَتَقَرَّبُ بِتَعْظِيمِهِ إلى الله وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ الدِّيَانَةَ وَكَانَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ جَهْلِهِمْ. قالَ مُوسَى: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، عَظَمَةَ اللَّهِ. اهـ

الكتاب : معالم التنزيل في تفسير القرآن = تفسير البغوي
المؤلف : محيي السنة ، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى : 510هـ)

قال ابن عطية في تفسيره

: قال القاضي أبو محمد: والظاهر من مقالة بني إسرائيل لموسى: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ أنهم استحسنوا ما رأوه من آلهة أولئك القوم فأرادوا أن يكون ذلك في شرع موسى وفي جملة ما يتقرب به إلى الله، وإلا فبعيد أن يقولوا لموسى: اجعل لنا صنما نفرده بالعبادة ونكفر بربك، فعرفهم موسى أن هذا جهل منهم إذ سألوا أمرا حراما فيه الإشراك في العبادة ومنه يتطرق إلى إفراد الأصنام بالعبادة والكفر بالله عز وجل، وعلى هذا الذي قلت يقع التشابه الذي قصه النبي صلى الله عليه وسلم في قول أبي واقد الليثي له في غزوة حنين إذ مروا على دوح سدرة خضراء عظيمة: اجعل لنا يا رسول الله ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، وكانت ذات أنواط سرحة لبعض المشركين يعلقون بها أسلحتهم ولها يوم يجتمعون إليها فيه، فأراد أبو واقد وغيره أن يشرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها ذريعة إلى عبادة تلك السرحة، فأنكره وقال: «الله أكبر قلتم والله كما قالت بنو إسرائيل اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ لتتبعن سنن من قبلكم» . اهـ

الكتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
المؤلف: أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: 542هـ)

قال الإمام القرطبي رحمه الله :

{قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} نظيره قول جهال الأعراب وقد رأوا شجرة خضراء للكفار تسمى ذات أنواط يعظمونها في كل سنة يوما : يا رسول الله ، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال عليه الصلاة والسلام : “الله أكبر. قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى {اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} لتركبن سنن في قبلكم حذو القذة بالقذة حتى إنهم لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه” . وكان هذا في مخرجه إلى حنين ، على ما يأتي بيانه في {بَرَاءَةٌ} إن شاء الله تعالى.. اهـ الكتاب: الجامع لأحكام القرآن
المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671 هـ)

قال الإمام بن عادل :

قوله : {قَالُواْ يا مُوسَى اجْعَلْ لَّنَآ إِلَـاهاً} أي : مثالاُ نعبده.

ولم يكن ذلك شكّاً من بني إسرائيل في وحدانية اللَّهِ , وإنَّمَا معناه : أجعل لنا شيئاً نعظمه , ونتقرب بتعظيمه إلى اللَّهِ , وظَنُّوا أنَّ ذلك لا يضر الدِّيانة , وكان ذلك لشدَّة جهلهم

الكتاب : تفسير اللباب لابن عادل ـ

المؤلف : أبو حفص عمر بن على ابن عادل الدمشقى الحنبلى المتوفى بعد سنة 880 هـ

والشاهد من الدليل:  

  إن سيدنا موسى لم يكفرهم بل قال لهم انتم جهله وفهمهم وعلمهم

لأجل ذلك لم يكفروا ولم يأمر موسى عليه السلام بقتلهم أو استتابتهم من الردة ولم يقل لهم انكم مشركون ، رغم أن قولهم وسؤالهم موسى أن يجعل لهم إلهاً مع الله شرك بواح لا شك فيه.
ولم يثبت في الدين أنه قال لهم أنكم مشركون توبوا من شركم
ولكن عذرهم بالجهل
وعرفهم أن قولهم شرك وليس هم المشركون

ولا يقال إن هذا شريعة من قبلنا  لإن عقيدة الأنبياء واحدة لا تتبدل ولا تتغير ولا تقبل النسخ

ولا يقال أن هؤلاء حديثى العهد بالكفر  فالآيه عامه فهذا التخصيص لم يذكره نبى الله موسى لم يقل لهم لولا انكم قوم حديثى عهد لكفرتكم ولا يقال إن هذا فى المسائل الخفية بل هى من اظهر مسائل الشرك الأكبر

وهذا يدل بالضرورة على أن المسلم إذا اعتقد إن الاستغاثه بغير الله  ليست شركاً جهلاً منه  لايكفر

شبهة :

  أعترض بعض المانعين من العذر بالجهل وأولوا الآيه وقالوا إن بنى إسرائيل لم يعبدوا  الصنم ولكنهم طلبوا فقط

الرد :

  من المعلوم إن الذى يطلب شئ يكون راضياً ومقتنعناً به وطلب الكفر كفر سواء فعله أم لم يفعله  غير ذلك هم طلبوا ذلك بسبب الجهل وهذا دليل إنهم لم يحققوا شرط التوحيد وهو العلم

الدليل الثانى :

 قول الله حكايه عن أصحاب عيسى عليه السلام  : ( إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) [ المائدة : 5 / 112 ] .

قال أبو محمد بن حزم رحمه الله :

( فهؤلاء الحواريون الذين أثنى الله عز وجل عليهم قد قالوا بالجهل لعيسى عليه السلام هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ؟ و لم يبطل بذلك إيمانهم ، و هذا ما لا مخلص منه ، و إنما كانوا يكفرون لو قالوا ذلك بعد قيام الحجة و تبيينهم لها ) [ الفصل في الملل والأهواء والنحل : 3 / 142 ].

وجاء فى التفسير الميسر :

 واذكر إذ قال الحواريون: يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك إن سألته أن ينزل علينا مائدة طعام من السماء؟ فكان جوابه أن أمرهم بأن يتقوا عذاب الله تعالى، إن كانوا مؤمنين حقَّ الإيمان.{ التفسير الميسر مجموعة علماء بالمملكة وبإشراف العلامة صالح  عبد العزيز آل الشيخ

والشاهد من الدليل  :

  إن سيدنا عيسى  لم يكفرهم بل أمرهم بالتقوى

وقد يقال هذه روايه صحيحة  و لكن على ما قرأه الكسائي رحمه الله : ( هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ ) تَستطيعُ – بتاءٍ مفتوحة – و ربَّكَ – بنصب الباء المشدَّدة  و في تفسير الآية على هذه القراءة قال القرطبي : ( قال الزجاج : هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله ، و قيل : هل تستطيع أن تدعو ربك أو تسأله ، و المعنى متقارب و لا بد من محذوف ) [ تفسير القرطبي : 6 / 365 ] .

و على هذا المعنى لا يكون الحواريُّون قد قالوا ما قالوه شاكين في قدرة الله ، و لا يكون ممَّا يُكفِّر ، و بالتالي فلا حجّة في الآية على العذر بالجهل ، فضلاً عن وقوعه .

والجواب نقول إن كلا الروايتين صحيحتين وليس الأولى شاذة لكى لا نأخذ بها بل الصحيح أن القاعدة : العمل بالدليلين أولى من أهمال أحدهما وقاعدة أخرى : الجمع أولى من الترجيح  

إذا ً فالروايتين تثبت أن بعض أصحابه قالوا يستطيع والبعض الآخر قال تستطيع ولكن الأغلب  قال يستطيع والدليل على ذلك من جوابه عليهم  عليه السلام فقال لهم (…قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112)

والدليل أيضاً من ردهم  فقالوا له (… قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) وسياق الآيات تدل قطعاً إنهم كانوا جاهلين بعظمة الله وقدرته وأرادوا أن يصدقوا ذلك

ثم هى القرأة المشهورة والله أعلم

ثانياً  الدليل من السنة الصحيحة:

الدليل الأول حديث أبي هريرة قال  :” كان رجل يسرف على نفسه فلما حضره الموت قال لبنيه إذ أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحد فلما مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال اجمعي ما فيك منه ففعلت فإذا هو قائم فقال ما حملك على ما صنعت ؟ قال يا رب خشيتك فغفر له” متفق عليه .

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله :

في  مجموع الفتاوى (11/409):” ” فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر، لكنه كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلا بذلك ضالا في هذا الظن مخطئا، فغفر الله له ذلك. والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا أن يكون شاكا في المعاد وذلك كفر – إذا قامت حجة النبوة على منكره حكم بكفره -“.

 وقال في مجموع الفتاوى (3/231):”والتكفير هو من الوعيد . فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة . ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة . وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها ، وإن كان مخطئا، وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال:” إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين ، ففعلوا به ذلك فقال الله له : ما حملك على ما فعلت . قال خشيتك : فغفر له”. فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد ، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك

وقال في الكيلانية (1/92)و(مجموع الفتاوى 1/491)،:” فهذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله تعالى على إعادة ابن آدم ؛ بعد ما أحرق وذري وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك وهذان أصلان عظيمان : ” أحدهما ” متعلق بالله تعالى وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير . و ” الثاني ” متعلق باليوم الآخر . وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت ويجزيه على أعماله ومع هذا فلما كان مؤمنا بالله في الجملة ومؤمنا باليوم الآخر في الجملة وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت وقد عمل عملا صالحا – وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه – غفر الله له بما كان منه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح. وكرر الاستدلال به في المجموع (7/619) (8/12) (12/490) (23/347) والمنهاج (5/337) والاستقامة (1/164) الرد على البكري (2/394) الصفدية (1/233) بغية المرتاد (1/308-310) (1/342).

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله  :

في معرض حديثه عن حكم من جحد فرضاً من فرائض الإسلام: (…. و أما من جحد ذلك جهلاً، أو تأويلاً يعذر فيه صاحبه: فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه، وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عناداً أو تكذيباً) (مدارج السالكين 1/367.).

وقال الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب  :

في هذه المسألة قوله في الدرر السنية (10/ 239-240):”إذا فعل الإنسان الذي يؤمن بالله ورسوله، ما يكون فعله كفرا، أو اعتقاده كفرا، جهلا منه بما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا لا يكون عندنا كافرا، ولا نحكم عليه بالكفر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية، التي يكفر من خالفها، فإذا قامت عليه الحجة، وبين له ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصر على فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه، فهذا هو الذي يكفر، وذلك لأن الكفر: إما يكون بمخالفة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا مجمع عليه بين العلماء في الجملة، واستدلوا بقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)، وبقوله: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً) إلى قوله: (بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ).

   واستدلوا أيضا: بما ثبت في الصحيحين والسنن، وغيرها من كتب الإسلام، من حديث حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن رجلا ممن كان قبلكم، قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم ذروا نصفي في البر، ونصفي في البحر؛ فوالله لئن قدر الله علي، ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين. فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر الله البر فجمع ما فيه، ثم قال له: كن، فإذا الرجل قائم. قال الله: ما حملك على ذلك؟ قال خشيتك ومخافتك، فما تلافاه أن رحمه”. فهذا الرجل اعتقد أنه إذا فعل به ذلك، لا يقدر الله على بعثه، جهلا منه لا كفرا ولا عنادا، فشك في قدرة الله على بعثه، ومع هذا غفر له ورحمه، وكل من بلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الجاهل يحتاج إلى من يعرفه بذلك من أهل العلم، والله أعلم.

وقال الحافظ ابن عبد البر – رحمه الله-:

 (… و أما جهل هذا الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة من صفات الله في علمه وقدرته، فليس ذلك بمخرجه من الإيمان ….) ثم استدل على ذلك بسؤال الصحابة – رضي الله عنهم – عن القدر ثم قال: (ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين، …. ولم يضرهم جهلهم به قبل أن يعلموه) (التمهيد 18/46،47.).

وقال الإمام ابن حزم رحمه الله:

 بعدما ذكر الحديث: (…. فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله عز وجل يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله) (الفصل 3/252.).

وقال ابن الوزير رحمه الله في تعليقه على الحديث:

 (…. وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد ولذلك خاف العقاب، و أما جهله بقدرة الله تعالى على ما ظنه محالاً فلا يكون كفراً إلا لو علم أن الأنبياء جاءوا بذلك و أنه ممكن مقدور ثم كذبهم أو أحداً منهم لقوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}( الإسراء، آية : 15.)وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل) (إيثار الحق على الخلق 436.).

وقال الإمام الخطابي رحمه الله:

 (قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله) (فتح الباري 6/523.)

إذاً يمكن أن نستخلص من كلام الأئمة أمرين مهمين:

الأولأن عمل هذا الرجل هو كفر لأن فيه إنكاراً لقدرة الله تعالى على إعادته بعدما يحرق، ولكنه عذر بسبب جهله الذي قاده إلى هذا الظن الفاسد.

الثانيأن هذا الرجل معه أصل الإيمان وهذا واضح في الحديث، وهكذا فهم الأئمة، انظر إلى قول شيخ الإسلام في النص السابق: (…. فلما كان مؤمناً بالله في الجملة، ومؤمناً باليوم الآخر في الجملة، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت، وقد عمل صالحاً – وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه – غفر الله له بما كان فيه من الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح)، وقول الخطابي: (…. وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله)، وقول ابن حزم: (… وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله)

الرد على من خالف الحديث :

ذكر بعض العلماء بعض التأويلات لهذا الحديث تخالف ما سبق وسنشير إلى هذه التأويلات ونرد عليها رداً علمياً

 التأويل الأول

أن قوله لئن قدر الله عليّ، أي قضاه، يقال منه قدر بالتخفيف، وقدر بالتشديد بمعنى واحد، أو قدر بمعنى ضيق علي من مثل قوله تعالى: {فقدر عليه رزقه}( سورة الفجر، آية : 16.)وقوله تعالى: {فظن أن لن نقدر عليه}( سورة الانبياء، آية : 87.)علي أحد الأقوال في تفسيرها

والرد :

 المتأمل لسياق الحديث يتبين له ضعف هذا القول، فكيف يقال لئن قدر الله علي العذاب ليعذبني أو لئن ضيق علي ليعذبني، فهذا لا معنى له، وكذلك لو كان المعنى مما سبق فما فائدة أمره لأهله بإحراقه ثم ذره.

ورد شيخ الإسلام قائلاً :

 (ومن تأول قوله: لئن قدر الله علي بمعنى قضي، أو بمعنى ضيق فقد أبعد النجعة، وحرف الكلم عن مواضعه، فإنه إنما أمر بتحريقه وتفريقه لئلا يجمع ويعاد، وقال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في الريح في البحر، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً، فذكر هذه الجملة الثانية بحرف الفاء عقيب الأولى يدل على أنه سبب لها، و أنه فعل ذلك لئلا يقدر الله عليه إذا فعل ذلك، فلو كان مفراً بقدرة الله عليه إذا فعل ذلك كقدرته عليه إذا لم يفعل لم يكن في ذلك فائدة له، و لأن التقدير والتضييق موافقان للتعذيب، وهو قد جعل تفريقه مغايراً، لأن يقدر الرب.

قال: فو الله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين، فلا يكون الشرط هو الجزاء) (مجموع الفتاوى 11/410، وانظر بقية الرد).

ورد الإمام ابن حزم قائلاً :

 (… وقد قال بعض من يحرف الكلم عن مواضعه أن معنى لئن قدر الله عليّ إنما هو لئن ضيق الله علي كما قال تعالى: { و أما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه}( سورة الفجر، آية : 16.)وهذا تأويل باطل لا يمكن لأنه كان يكون معناه حينئذ لئن ضيق الله علي ليضيق علي، و أيضاً فلو كان هذا لما كان لأمره بأن يحرق ويذر رماده معنى ولا شك في أنه إنما أمر بذلك ليفلت من عذاب الله) (الفصل 3/252.)

التأويل الثاني:

 أنه قال ذلك في حال دهشته ولم يقله قاصداً لحقيقة المعنى وهذا القول رجحه ابن حجر – حيث قال في الفتح: (… وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلب الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يقله قاصداً لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل، والذاهل والناسي الذي لا يؤخذ بما يصدر منه) (الفتح 6/523، ومسلم بشرح النووي 17/71.)،

 والرد :

هذا التفسير فيه ضعف ظاهر من وجهين:

الأول: أنه لو كان غير مدرك ولا عاقل لما يقول لفهم أولاده ذلك ولما نفذوا هذه الوصية.

الثاني: أن هذا الحديث يذكر لبيان سعة رحمة الله عز وجل حيث غفر لهذا الرجل رغم هذا الجهل الكبير، فلو كانت المغفرة لرجل أخطأ في كلام قاله دون شعور منه ولا إدراك لما يقول لما كان للمغفرة في هذه الحالة مزية، ولصار في حكم من سقط عنه التكليف، وحينئذ لا يعتبر قد ارتكب خطأ، ولذلك من فقه الإمام الزهري أنه لما روى هذا الحديث الذي تتبين فيه سعة رحمة الله وفضله، روى بعده حديث المرأة التي دخلت النار لهرة حبستها (حديث من أحاديث الخوف والوعيد) ثم قال: (ذلك لئلا يتكل رجل، ولا ييأس رجل) (انظر مسلم بشرح النووي 17/72: قال النووي : (معناه أن ابن شهاب لما ذكر الحديث الأول خاف أن سامعه يتكل على ما فيه من سعة الرحمة وعظم الرجاء فضم إليه حديث الهرة الذي فيه من التخويف ضد ذلك ليجتمع الخوف والرجاء) 17/73.)

التأويل الثالث :

 منهم من يقول الحديث من المتشابه ولابد ان يرد إلا المحكم 

 والرد :

  فيقال له فإن دليلك انه من المتشابه ولابد له أن يأول ؟فصرف اللفظ عن ظاهرة بدون دليل يعتبر تحريف وليس تأويل

التأويل الرابع  :

  منهم من يقول الحديث فيه احتمالات كثيرة والقاعدة تقول من دخله الإحتمال بطل به الإستدلال

والرد :

  فيقال له اغلب آيات القرآن واحاديث النبى مختلف فى تفسيرها وشرحها فلو طبقنا القاعدة لكثرة الشروح والتفسير لتركنا اكتر القرآن والسنة وهذا لم يقل به عالم قط

التأويل الخامس  :

  منهم من يقول الحديث له رويات كثيرة ضعيفة وصحيحة ومختلفة  فيجب عدم الاخذ به فى العقائد !

والرد :

 فيقال له وكتير من الاحاديث لها رويات كثيرة ومنها ضعيفة ومختصرة ومطولة ومختلفة فالعلماء يتركون الضعيف ويجمعون الرويات  الصحيحة مع بعضها ويأخذون بها  ولا حجة لترك الحديث إذاً

التأويل السادس  :

  منهم من تأول و قال إنه كان بمثابة الغافل الذي لا يدري ما يقول

والرد :

 فجوابه أنه تأويل بلا سند فليس في متن الحديث ما يعضده، بل فيه ما يرده وهو قوله :”فغفر الله له” لأن المغفرة تكون لمن كان عاقلا قاصدا للفعل مختارا لا لمن ارتفع عنه التكليف، ثم إنه لما اعتذر قال:”خشيتك” ولم يقل :” ذهلت، ولم أكن أدري ما أقول” والذي يفهم من هذا التأويل أنها زلة لسان حدثت في حال قوة الخوف، وهي حال لا تدوم ولو كان ذلك لاستدرك ولفهم ذلك أولاده ولما نفذوا وصيته.

التأويل السابع  :

  منهم من قال بأن هذا كان موحدا كما جاء في بعض الروايات وأن خطأه كان في الصفات والخلاف في تكفير منكر الصفات ثابت والعذر فيها جائز

والرد :

  فنقول له نعم كان موحدا لذلك كان من مقتضى عذره دخول الجنة لا الامتحان، لكن لا نسلم أن خطأه كان متعلقا بصفة القدرة فحسب بل كان متعلقا بأصل من أصول الاعتقاد وهو الإيمان باليوم الآخر والقدرة على البعث، والكفر لا يكون فقط بالوقوع في الشرك بالله تعالى بل يكون بالقول والعمل والاعتقاد والشك، وهذا شك في البعث وفي قدرة الله تعالى، وأي فرق بين الشرك بالله والشك في المعاد.

التأويل الثامن  :

  منهم من أكثر من الأقوال المذكورة في تأويله حتى تلك الواردة عمن لا يعرف، وقد أبلغها بعضهم إلى سبعة أقوال ، ليبين أن تفسير ابن تيمية وابن حزم من قبله ومن تبعهما ليس متفقا عليه، أو لبيان أن العلماء قد استشكلوا لفظ الحديث لكونه قد عارض القواطع عندهم.

والرد :  

 أنه ليس من شرط صحة الاحتجاج بالحديث أن يتفق الناس أولهم وآخرهم، سلفيهم وخلفيهم على معناه، والأصل إعمال الحديث وحمله على ظاهره، وأما الاستشكال فيكون مقبولا إذا ما عورض الحديث بأدلة نقلية أخرى ، أما إذا كان مصدره ما يسميه الخلف معقولات قطعية فإنه لا عبرة به.

التأويل التاسع 

    قال صاحب المجهر (251):”إن تأويل العلماء لهذا الحديث وصرفه عن معناه الظاهري لخير بيان أن ظاهر الحديث غير مراد وأنه معارض لأصولهم الكلية، وهم ينزلون قضايا الأعيان على مقتضى القواعد الكلية، فإن كان من أصولهم : إعذار الجاهل لقالوا جميعا: أن هذا الرجل جهل قدرة الله وكان جاهلا وعذر بجهله، وكفوا أنفسهم مؤنة التأويل، لأن التأويل عندهم شر لا يذهبون له إلا في حالة الضرورة عندما تصطدم قضية من قضايا الأعيان أو دليل جزئي مع القواعد والأصول الكلية.

والرد :

   من هم هؤلاء العلماء الذين تأولوا الحديث؟ وهل صحيح أنهم يعدون التأويل شرا؟ أليس أكثرهم يتأولون الصفات لقطعيات المعقول عندهم؟ ثم هل أجمعوا على التأويل وبطلان الظاهر؟ وإذا لم يجمعوا فلا حجة في كلامهم لأنا نقول لماذا لا يكون قول ابن قتيبة والخطابي الذي نقله هو الصواب وقد حملا الحديث على ظاهره، لكني على يقين أنه نقل الكلام ولم يفهمه.

التأويل العاشر 

   جاءت بعض الرويات الصحيحة ليس فيها قوله لئن قدر الله عليه  فالحديث ليس حجة على العذر بالجهل

الرد

هذة أحاديث مطلقة والرويات الأخرى تقيدها ووجوب جمع الرويات للحديث الواحد ثم العمل به

التأويل الحادى عشر  :

    قد يقال إن هذا شريعة من قبلنا  فلا يعتبر حجة

الرد :

  حتى وإن كان من شريعة من قبلنا فهو حجة لإن عقيدة الأنبياء واحدة لا تتبدل ولا تتغير ولا تقبل النسخ وإما الحرام والحلال فهذه من يدخلها النسخ  وغيره

التأويل الثانى عشر 

   قد يقال إن هذا حجة لمن أنكر صفة من صفات الله أو شئ خفى وليس كمن فعل الشرك الأكبر الظاهر

الرد :

  أولاً هذا قال لن قدر الله على  يعنى ظاهرها أنه أنكر أن الله يجمعه ويبعثه للحساب يعنى شئ ظاهر وليس شئ خفى  كما يقال وليس صفة خفية أيضاً  غير أن الدليل عام ولم يخصصه شئ فربنا غفر له لانه جاهل وكان يخشاه وليس بسبب أنه جهل شئ خفى واله اعلم

التأويل الثانى عشر 

  إن الرجل كان مقراً بالقدرة  لا نافياً لها فقد جاء بعض الرويات  انه قال ( وان الله يقدر على أن يعذبنى ) صخيح مسلم

الرد :

   أولاً  : شرح الإمام النووى هذه الروايه قائلاً : إن الله قادر على ان يعذبنى إن دفنتمونى بهيئتى أما لو حرقتمونى وسحقتمونى وذريتمونى فى البر والبحر فلا يقدر على ويكون جوابه كما سبق وبهذا تجتمع الروايات والله أعلمشرح النووى على مسلم 17 / 229)

ثانياً : إن روايات الحديث دلت مع بعضها البعض ان الرجل منكر لقدرة الله تعالى ومن تلك الروايات قوله (ثم ذرونى فى البحر  فى يوم ريح لعلى أضل اله ) أخرجه أحمد وصححه الألبانى فى صحيح الجامع

التأويل الثالث عشر  :

    جاء فى بعض الرويات  إن النبى قال  ( قال رجل لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد ) فدلت الروايه انه لم يشرك بالله

الرد

  نعم هذا الرجل لم يقع فى الشرك الأكبر ومعلوم ان الله لن يغفر الشرك والكفر ولن يدخل الجنة إلا مسلم  وإن الله غفر له جهله بسبب خوفه  والإستدلال بالقصه ليس لها علاقه بقضيه هل الرجل مشرك ام لا  ولكن يستدل بها أن الرجل أنكر شئ ظاهر بالجهل  وهذا يدل ان كل مسلم وقع فى شئ ظاهر سواء شرك او كفر مدام بالجهل  فإنه لايكفر والله اعلم

الدليل الثانى

حديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: ” يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب(وشي الثوب: لونه ونقشه ونسجه، انظر لسان العرب 15/392.). حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسري على كتاب الله عز وجل في ليلة، فلا يبقي في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله فنحن نقولها” فقال له صلة: ما تغنى عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة ثم ردها عليه ثلاثاً كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة تنجيهم من النار ثلاثاً) (رواه ابن ماجه وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم 87)

هذا الحديث و إن كان يتحدث عن حال الناس في آخر الزمان، حيث لا يدري ما صلاة ولا صيام، فإن فيه دليلاً على العذر بالجهل حيث ينطبق الحديث على بعض الأمكنة أو الأزمنة  بالقياس حيث ينتشر الجهل ويضعف نور النبوة، فتخفى على بعض الناس كثير من الأحكام الظاهرة المتواترة ، ولكن لابد من الإقرار الذي عليه مدار النجاة، لأنه بدون الإقرار لا يكونون مسلمين.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيراً مما بعث الله به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم و الإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام فأنكر هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول، ولهذا جاء في الحديث: “يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة” ثم ذكر بقية الحديث(مجموع الفتاوى 11/ 407).

إذاً أمثال هؤلاء عذروا بجهلهم لأن الحجة لم تقم عليهم.

الرد على من خالف الحديث :

قال بعضهم هؤلاء معذوريين لعجزهم عن العلم وليس بسبب جهلهم

والرد

العجز نوعان  عجز حقيقى  كمن نشأ فى بادية بعيدة

وعجز حكمى بحيث أنه اجتهد للوصول للحقيقة ولكنه لم يصبها بسبب فتوى علماء السوء أو غيرها

ملخص الكلام ان العذر قائم على من جهل بسبب عدم وصوله الدليل او وصوله دليل غير صحيح او شبه وتأويل باطل وهكذا مظنة الجهل  والحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً

 وقال أخر :

 إن هذا الحديث عن من ترك الشعائر والاركان وليس عن من ارتكب بعض صور الشرك الاكبر

الرد :

  هذا الاعتراض غير صحيح فالحديث يؤكد ان القوم وقعوا فى الجهل حتى انهم تركوا اظهر شعائر الاسلام فمن المؤكد ارتكابهم ما هو دونه  فى الظهور كالتوسل وطلب المدد  من الاموات وغير ذلك وحتى لو فترك الأعمال الظاهرة أعمال الجوارج (جنس العمل) كما يسميها شيخ الإسلام كفر بالإجماع

الدليل الثالث :

   حديث أبي واقد الليثي:- رضي الله عنه – قال: خرجنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلمإلى حنين  : فمررنا بشجرة قلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كمالهم ذات أنواطوكان للكفار سدرة يعفكون حولها ويعلقون بها أسلحتهم يدعونها ذات أنواط فلما قلنا ذلك للنبي – صلى الله عليه وسلمقال: ” الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون}( الأعراف، آية: 38.)لتركبن سنن من كان قبلكم”( رواه أحمد وقال الألباني “إسناده حسن)

  قال الإمام ابن القيم رحمه الله  

في تعليقه على هذا الحديث: (فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إله مع الله تعالى، مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها، فما الظن بالعكوف حول القبر، والدعاء به، ودعائه، والدعاء عنده …؟ قال بعض أهل العلم من أصحاب مالك(هو أبو بكر الطرطوشي وكلامه هذا في كتابه الحوادث والبدع ص105.): (فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ويضربون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط فاقطعوها) (إغاثة اللهفان 1/224.)

 وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:

 (… وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي – صلى الله عليه وسلملو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب، ولكن القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري عنها فتفيد لزوم التعلم والتحرز… وتفيد أيضاً أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي – صلى الله عليه وسلم-) (كشف الشبهات 45،46، وانظر إرشاد المسلمين في الرد على القبوريين الشيخ حمد بن معمر 98، 99.)

وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ :

 (… وفيها (أي الحادثة): أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء، ولهذا جعل النبي – صلى الله عليه وسلمطلبهم كطلب بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى كونهم سموها ذات أنواط، فالمشرك مشرك، و إن سمي شركه ما سماه، كمن يسمي دعاء الأموات والذبح والنذر لهم ونحو ذلك تعظيماً ومحبة، فإن ذلك هو الشرك، و إن سماه ما سماه، وقس على ذلك(فتح المجيد 145.).

وقال الإمام بن باز رحمه الله

واضح من هذه الحادثة أن الذي طلبه الصحابة هو شرك أكبر، والدليل أن  شبههم رسول الله – صلى الله عليه وسلمبطلب بني إسرائيل لموسى أن يجعل لهم إلهاً بل وأقسم على أنه مثله، ولكنه  لم يكفروا بطلبهم لأنهم حدثاء عهد بكفر(انظر كلام سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في حاشية فتح المجيد 146.) وقال أيضاً :وأخيراً مما ينبغي التنبيه إليه الإشارة إلى أن طلب الصحابة رضي الله عنهمكما يظهرليس فيه ما يدل على أنهم أرادوا عبادة هذه الشجرة من دون الله ولكن لحداثة عهدهم بالإسلام ظنوا أن اتخاذ شجرة ليتبركوا بها ويعلقوا عليها أسلحتهم لا ينافي التوحيد، (فبين لهم أن ما طلبوا من التبرك ولو لم يكن صلاة ولا صياماً ولا صدقة هو الشرك بعينه) (حاشية فتح المجيد (سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله)، 146.)

 وقال الإمام الشوكاني رحمه الله:

 (ولم يكن من قصدهم أن يعبدوا تلك الشجرة أو يطلبوا منها ما يطلبه القبوريون من أهل القبور فأخبرهم – صلى الله عليه وسلم – أن ذلك بمنزلة الشرك الصريح و أنه بمنزلة طلب آلهة غير الله تعالى) (الدر النضيد ص9..).

وقال العلامة حامد الفقى :

 ( ليس ماطلبوه من الشرك الأصغر ولو كان منه ماجعله النبى نظير قول بنى إسرائيل {اجعل لنا إلهاً } وأقسم على ذلك بل هو من الشرك الأكبر كما ان ما طلبوه بنى اسرائيل من الأكبر ) {فتح المجيد بن حسن حاشية 141 }

وقال العلامة الألوسى :

 ( وفى هذا الخبر تصريح على أن القائل واحد  ولعل ذلك كان عن جهل يعذر به  ولا يكون به كافراً  وإلا لأمره النبى بتجديد إسلامه  ولم ينقل ذلك فيما وقفت عليه ){ روح المعانى 6/9

وقال العلامة عبد الرزاق عفيفى :

 ( سئل عن القبوريين فقال هم مرتدون عن الإسلام إذا قامت عليهم الحجة وإلا فهم معذوريين كجماعة الأنواط ){  مجموع فتاوى ورسائل الشيخ عبد الرزاق عفيفى ص 371}

وقالوا علماء الدعوة بالمملكة

: {فقد دل هذا الحديث على أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار ونحوها من التبرك بها والعكوف عندها والذبح لها هو الشرك ، ولهذا أخبر في الحديث أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فهؤلاء طلبوا سدرة يتبركون بها كما يتبرك المشركون ، وأولئك طلبوا إلها كما لهم آلهة ، فيكون في كلا الطلبين منافاة للتوحيد ؛ لأن التبرك بالشجر نوع من الشرك ، واتخاذ إله غير الله شرك واضح .{ كتاب أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة تأليف نخبة من علماء المملكة وعلى رأسهم المفتى عبد العزيز صالح ال الشيخ  حفيد الامام محمد بن عبد الوهاب }

الرد على من خالف الحديث :

قالوا :

   أن طلب الصحابة من قبيل المشابهة للكفار، حيث أرادوا أن يجعل لهم شجرة يعكفون عندها، و أن هذه المشابهة المذكورة ليست من الشرك الأكبر، واستندوا إلى قول لشيخ الإسلام (اقتضاء الصراط المستقيم 2/644) وللشاطبي (الاعتصام 2/245، 246) ظنوا أنها تؤيد قولهم انظر، الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد، عبد الرحمن عبد الحميد 84، 85)

والرد :

  لو كان طلبهم من باب المشابهة فقط، لما أقسم – صلى الله عليه وسلمأنهم قالوا مثل ما قال أصحاب موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فالتشبيه هنا يقتضي تمام المشابهة و أن ما طلبوا من جنس اتخاذ آلهة كما أتضح من كلام الأئمة، كذلك هؤلاء حديثو عهد بكفر، ولذلك لا يستغرب أن يطلبوا أمراً يقتضي الشرك، فلو كان الذي طلبوا مجرد مشابهة دون الشرك، لما استغرب منهم لأن ذلك يمكن أن يحصل لمن تقدم إسلامه والله أعلم، انظر رداً مفصلاً في كتاب (العذر بالجهل عقيدة السلف لشريف هزاع 68-74)

قالوا  :

 إنهم معذوريين لانهم حدثاء عهد بإسلام وليس بسبب جهلهم

الدليل الثالث :

 قول عائشة رضى الله عنها للنبى صلى الله عليه وسلم : مهما يكتم الناس يعلمه الله؟، قال: نعم … )) (رواه مسلم).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

(فهذه عائشة أم المؤمنين سألت النبي صلى الله عليه وسلم: هل يعلم الله كل ما يكتم الناس؟، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وإن كان الإقرار بذلك بعد قيام الحجة من أصول الإيمان. وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل شيء، هذا مع أنها كانت ممن يستحق اللوم على الذنب، ولهذا لهزها النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ((أتخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟)). وهذا الأصل مبسوط في غير هذا الموضع. فقد تبين أن هذا القول كفر، ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التي يكفر تاركها) ((مجموع الفتاوى)) (11/ 412 – 413).

الدليل الرابع :

 حديث وفعل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، ومكاتبته لقريش بأمر مسير الرسول صلي الله عليه وسلم والمسلمين إليهم لفتح مكة. فإنه في عمومه موالاة للكافرين، ولم يحكم عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالكفر بل سأله: ((ما هذا يا حاطب ؟ قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امراءاً من قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يداً يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه قد صدقكم. فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه فقال: إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ” (البخارى).

فما فعله حاطب رضي الله عنه بعد تبين النبي صلى الله عليه وسلم عن حاله إنما هو معصية وليس بكفر، ولذلك كان شهوده بدراً مكفراً لتلك السيئة، ولا يقال إن فعله كان كفراً، وإن المانع من تكفيره كان شهوده بدراً، فإن الكفر لا يبقي معه حسنة، كما قال تعالى { وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } ]المائدة/5[.

ولا يقال أيضاً إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم ” إنه قد صدقكم” خاص بحاطب رضي الله عنه لعلمه بحقيقة أمره، فلا يكون الحكم فيمن فعل فعله كالحكم في شأن حاطب رضي الله عنه. بل إنما حكم الرسول صلى الله عليه وسلم فيه بالظاهر لا بأمر باطن، وظاهرة ليس كفراً، بل معصية تحتمل الكفر. ومثل هذا لابد فيه من التبين عن حال المعين، وهذا حكم مطلق في حاطب وفي غيره.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله: ( في هذا الحديث مع ما وضحنا لك طرح الحكم باستعمال الظنون، لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال من أنه لم يفعله شاكاً في الإسلام، وأنه فعله ليمنع أهله، ويحتمل أن يكون زلة لا رغبة عن الإسلام، واحتمل المعنى الأقبح(يعني الكفر). كان القول قوله فيما احتمل فعله، وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بأن لم يقتله ولم يستعمل عليه الأغلب. ولا أحد أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذه، لأن أمر رسول الله صلى الله وسلم مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده، فإذا كان من خابر المشركين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريد غرتهم، فصدقه، وما عاب عليه الأغلب مما يقع في النفوس، فيكون لذلك مقبولاً، كان من بعده في أقل من حالة وأولى أن يقبل منه مثل ما قبل منه ).

قيل للشافعي:

( أفرأيت إن قال قائل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قد صدق إنما تركه لمعرفته بصدقه، لا بأن فعله كان يحتمل الصدق وغيره.

فيقال له: قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المنافقين كاذبون، وحقن دماءهم بالظاهر، فلو كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم في حاطب بالعلم بصدقه كان حكمه على المنافقين القتل بالعلم بكذبهم، ولكنه إنما حكم في كل بالظاهر، وتولى الله عز وجل منهم السرائر، ولئلا يكون لحاكم بعده أن يدع حكماً له مثل ما وصفت من علل الجاهلية ) (الأم)) للإمام الشافعي (4/264).

قلت وفى الحديث فؤائد عظيمة وأهمها أن المسلم الذى عنده الإيمان المجمل قد يعتقد حديث لا يصح أو قد يسمع فتوى من دار الافتاء ويطبقها وقد يكون فعله فيه احتمال المعصية واحتمال الشرك كمن يطوف حول القبر قد يطوف من باب تعظيم ولى من أولياء الله الصالحيين كما يعتقد وقد يطوف عبادة يتقرب  به إليه  فحينئذ لابد أن نقيم الحجة عليه لنعلم منه ماذا يرد بهذا الفعل ونفهمه إن هذا الفعل لايجوز إلا لله وهكذا

الدليل الخامس  :

  ومن الأمثلة الدالة على لزوم التبين عن حال المعين إذا ظهر منه ما يحتمل الشرك، وعدم الجزم بتكفيره قبل ذلك، قصة معاذ رضي الله عنه وسجوده للنبي صلى الله عليه وسلم عن  عبد الله بن أبي أوفى قال: (( لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم قال: ما هذا يا معاذ ؟ قال: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلا تفعلوا. فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )) أخرجه أبو داود،). والحاكم  وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وقد استوفى الكلام فيه وجمع طرقه الشيخ الألباني في إرواء الغليل، (7/55-58) وصحح الحديث )

فهذا معاذ رضي الله عنه يسجد للنبي صلى الله عليه وسلم، تعظيماً له، لما رآه من حال أهل الكتاب مع علمائهم. لكن معاذ رضي الله عنه لم يكن يقصد قطعاً عبادة النبي صلى الله عليه، والتقرب إليه كما يتقرب إلى الله بالسجود. فلما علم الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إنما أراد التعظيم نهاه عن تعظيمه بالسجود له، فكان ذلك نسخاً لسجود التعظيم والتحية، فقد سجد أبو  يوسف وإخوته له. بل أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم، وليس ذلك سجود عبادة، وإنما هو سجود تعظيم وتكريم.

قال الإمام ابن كثير:

 ( قال قتادة في قوله تعالى {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ} فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم. أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته. وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام كما تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية، ولكنه نسخ في ملتنا. قال معاذ: …….. وذكر الحديث السابق ) (تفسير الإمام ابن كثير)) (1/78).

وبهذا يتبين أن مجرد السجود لا يستلزم العبادة، وأن من سجد لغير الله لا يلزم أن يكون عابداً له. ولا يكون مشركاً، إلا إذا قصد بسجوده العبادة والتقرب لغير الله، أما مجرد السجود للتعظيم فهو بعد نسخة حرام، لكنه ليس شركاً، لأن الشرك لا يحتمل الجواز والنسخ، وإنما يكون ذلك في الشرائع.

يقول الإمام ابن تيمية :

  من كلام طويل عن هذه المسألة: ( … فكيف يقال يلزم من السجود لشيء عبادته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها )). ومعلوم أنه لم يقل: لو كنت آمرآ أحداً أن يعبد أحد …) (مجموع الفتاوى)) (4/360).

ولما كان السجود لغير الله في الظاهر غير دال قطعاً على عبادة غير الله، بل قد يحتمل غيرها، فإنه لا يمكن تكفير المعين بفعل محتمل، غيره، فإنه يكون مشركاً غير معذور بجهله. والكلام هنا إنما هو في القطع في دلالة السجود على التقرب إلى غير الله بالعبادة مطلقاً. فلابد من التفريق بين ما هو خاص لله تعالى، بحيث يكون صرفه لغيره شركاً وبين ما يجوز لغيره.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :  في ذلك فيما يتعلق بالسجود: ( أما الخضوع والقنوت بالقلوب والاعتراف بالربوبية والعبودية فهذا لا يكون على الإطلاق إلا لله سبحانه وتعالى وحده. وهو في غيره ممتنع باطل.

وأما السجود فشريعة من الشرائع، إذا أمرنا الله أن نسجد له. ولو أمرنا أن نسجد لأحد من خلقه غيره لسجدنا لذلك الغير، طاعة لله عز وجل، إذا أحب أن نعظم من سجدنا له. ولو لم يفرض علينا السجود لم يجب البتة فعله، فسجود الملائكة لآدم عباده لله وطاعة له، وقربة يتقربون بها إليه، وهو لآدم تشريف وتكريم وتعظيم. وسجود إخوة يوسف له تحية وسلام، ألا ترى أن يوسف لو سجد لأبويه تحية لم يكره له ؟ ) ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)) (4/360).

قلت:  ويدخل فيه كل قول او فعل يتصور فيه ان المرء يجهله او يحتمل التأويل والخطأ ويحتمل المعصية والشرك فى آن واحد

وهناك أدلة كثيرة من القرآن والسنة ولكن نكتفى بذلك  خشية الإطالة

الدليل السادس :

  أخرج أحمد والبزار والطبراني وابن مردويه من طرق صحيحة عن ابن عباس وابن مسعود أنه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول : لا تخلطوا القرآن بما ليس منه إنهما ليستا من كتاب الله إنما أمر النبي صلى الله عليه و سلم أن يتعوذ بهما وكان ابن مسعود لا يقرأ بهما

قال البزار :

 لم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة وقد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قرأ بهما في الصلاة وأثبتتا في المصحف  { الدر المنثور  جلال الدين السيوطي 14/483}

قد يقول قائل لماذا ينكرها ؟

الجواب :

  قال الحافظ بن كثير وهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء: أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما من النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتواتر عنده، ثم لعله قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة، رضي الله عنهم، كتبوهما   في المصاحف الأئمة، ونفذوها إلى سائر الآفاق كذلك، ولله الحمد والمنة.تفسير القرآن العظيم 8/531}

وقد يقول قائل هذا الحديث ضعفه كثير من العلماء ؟

والجواب :

  كما ذكرنا  ان الحافظ بن كثير  كان يحسنه و يقول هذا مشهور عند كثير وايضاً من ضعف الحديث ضعفه من طريق المتن وليس السند وهذا ليس طريق المحدثيين فى التصحيح والتضعيف ورد عليهم الحافظ فى الفتح قائلاً  : ” فقول من قال إنه كذب عليه مردود، والطعن

في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل بل الرواية صحيحة، والتأويل محتمل

وقال البوصيري  :

 فى كتابه  إتحاف الخيرة المهرة   بزوائد المسانيد العشرة. (4/ 467) هَذَا إِسْنَادُهُ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ

وقال  الهيثمي فى كتابه  مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (7/311)  رواه عبد الله بن أحمد والطبراني ورجال عبد الله رجال الصحيح ورجال الطبراني ثقات

قال الشيخ شعيب الأرناؤوط :

 إسناده صحيح على شرط الشيخين  مسند أحمد بن حنبل [ جزء 5 – صفحة 130 ]

الشاهد من الدليل :

أن بن مسعود ورغم انه من اعلم الصحابه بالقرآن انكر ما هو معلوم وظاهر لدى الصحابه ومما يدل ان هذا بعلم الصحابه  أخر الامام احمد فى المسند  قال حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سفيان بن عيينة عن عبدة وعاصم عن زر قال قلت لأبي إن أخاك يحكهما من المصحف فلم ينكر قيل لسفيان بن مسعود قال نعم وليسا في مصحف بن مسعود كان يرى رسول الله صلى الله عليه و سلم يعوذ بهما الحسن والحسين ولم يسمعه يقرؤهما في شيء من صلاته فظن أنهما عوذتان وأصر على ظنه وتحقق الباقون كونهما من القرآن فأودعوهما إياه إسناده صحيح على شرط الشيخين

ورغم ذلك لم يكفره احد لا من الصحابه ولا من التابعيين بل عذروه بعدم علمه انهما من القرآن

الدليل السابع : .

ودليل آخر على عذر الجاهل في قصة الليثيين (. الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فعذرهم صلى الله عليه وسلم لفرط جهلهم وبداوتهم.والقصة أخرجه أحمد في مسنده بإسناده صحيح، ((25958))

عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ مُصَدِّقًا فَلَاجَّهُ رَجُلٌ فِي صَدَقَتِهِ، فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ فَشَجَّهُ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: الْقَوَدَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لَكُمْ كَذَا وَكَذَا ، فَلَمْ يَرْضَوْا، قَالَ: ” فَلَكُمْ كَذَا وَكَذَا ، فَلَمْ يَرْضَوْا، قَالَ: ” فَلَكُمْ كَذَا وَكَذَا ، فَرَضُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ، وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ، قَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ” إِنَّ هَؤُلَاءِ اللَّيْثِيِّينَ أَتَوْنِي يُرِيدُونَ الْقَوَدَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا، فَرَضُوا، أَرَضِيتُمْ؟، قَالُوا: لَا، فَهَمَّ الْمُهَاجِرُونَ بِهِمْ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُفُّوا فَكَفُّوا، ثُمَّ دَعَاهُمْ فَزَادَهُمْ ، وَقَالَ: ” أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ” فَإِنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ، وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ ، قَالُوا: نَعَمْ، فَخَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: ” أَرَضِيتُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ)) )

قال ابن حزم:

((وفي هذا الخبر عذر الجاهل، وأنه لا يخرج من الإسلام بما لو فعله العالم الذي قامت عليه الحجة لكان كافراً، لأن هؤلاء الليثيين كذّبوا النبي صلى الله عليه وسلم ، وتكذيبه كفر مجرد بلا خلاف، لكنهم بجهلهم وأعرابيتهم عذروا بالجهالة، فلم يكفروا )) ([المحلى (10/ 410 -)

ثالثاً : الاستدلال بالإجماع

إجماع الصحابة :

قصه سيدنا قدامه بن مظغون الذى استحل شرب الخمر وهذا فعل كفرى ورغم ذلك لم يكفروهم الصابة بل قاموا عليهم الحجة

قال شيخ الإسلام بن تيمية :

(فان كثيرا من المسائل العملية عليها أدلة قطعية عند من عرفها وغيرهم لم يعرفها وفيها ما هو قطعى بالاجماع كتحريم المحرمات ووجوب الواجبات الظاهرة ثم لو أنكرها الرجل بجهل وتأويل لم يكفر حتى تقام عليه الحجة كما أن جماعة استحلوا شرب الخمر على عهد عمر منهم قدامة ورأوا أنها حلال لهم ولم تكفرهم الصحابة حتى بينوا لهم خطأهم فتابوا ورجعوا ) مجموع الفتاوى 19/209)

قلت :

فسيدنا قدامة ليس حديث عهد بإسلام وهذا القصه حصلت فى عهد خلافه سيدنا عمر ومثله ممن شهد بدر لايخفى عليه مثل هذا التحريم وليس هو ممن نشأ فى بلد جهل او بلد بعيدة عن أهل العلم ورغم ذلك لم يكفره صحابى واحد بل كلهم أقاموا عليه الحجة ولم يكفروه وهذا إجماع قطعى من الصحابة رضوان الله عليه على العذر بالجهل والتأويل

1}  قال  الإمام ابن حزم الظاهري   :

  ( برهانٌ ضروريٌ لا خلاف فيه : و هو أن الأمة مجمعة كلها بلا خلاف من أحد منهم ، و هو أن كل من بدل آية من القرآن عامداً ، و هو يدري أنها في المصاحف بخلاف ذلك ، و أسقط كلمةً عمداً كذلك ، أو زاد فيها كلمة عامداً ، فإنه كافر بإجماع الأمَّة كلِّها ، ثم إن المرء يخطئ في التلاوة ، فيزيد كلمة و ينقص أخرى ، و يبدل كلامه جاهلاً ، مقدراً أنه مصيب ، و يكابر في ذلك ، و يناظر قبل أن يتبين له الحق ، و لا يكون بذلك عند أحد من الأمة كافراً ، و لا فاسقاً و لا آثماً ، فإذا وقف على المصاحف أو أخبره بذلك من القراء من تقوم الحجة بخبره ، فإن تمادى على خطئه فهو عند الأمة كلِّها كافر بذلك لا محالة ، و هذا هو الحكم الجاري في جميع الديانة ) [ الفصل في الملل والأهواء والنحل : 3 / 142 ].

قلتُ :

 و هذا الكلام على قوته فيه وجه آخر ، و هو قياس الأولى ؛ فإذا كان المخطئ في التلاوة معذوراً بجهله و إن أحال المعنى عن المراد بزيادة أو نقصان أو تصحيف ، مع أنَّه لا يتصور عجزه عن تعلُّم تلاوة آي الكتاب ، لكثرة المعتنين بتعليمه ، و نشر علومه ، و تفسيره في كل زمان و مكان ، و ندرة الخلاف في ذلك بين أبناء المذهب الواحد ، بل و بين الفرق الإسلامية ، على تعددها ، و تشعب مسالكها ، فمن الأولى أن يكون معذوراً بجهله في دقائق العلم ، و خفايا المسائل – بالنسبة لمن هو في مثل حاله – كمسائل الأسماء و الصفات  أو خفايا الشرك  التي قد لا يتسنى له من يعلمه إياها ، أو يرشده إلى مذهب أهل الحق و التحقيق فيها ، خاصة و أنَّ الخلاف فيها قائم على أشدِّه بين الفرق و الطوائف

2} قال شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله :

 هكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق ، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده ، أو لم يتمكن من فهمها ، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها ، فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان سواء كان في المسائل النظرية أو العملية هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام . أ ـ هـ ( مجموع الفتاوى (23/346 ).ونقل الإجماع في المجموع في مواضع منها (11/407) (12/489)

3}  قال الشيخ : وليد بن راشد السعيدان :

 وأجمعوا على أن التكفير العام لا يستلزم تكفير المعين إلا بعد ثبوت الشروط وانتفاء الموانع  {تشنيف الأسماع ببعض مسائل الإجماع صـ4 }

4} قال الإمام  عبدالرحمن السعدي رحمه الله

 (إن المتأولين من أهل القبلة الذين ضلوا وأخطأوا في فهم ما جاء في الكتاب والسنة، مع إيمانهم بالرسول واعتقادهم صدقه في كل ما قال، وأن ما قاله كان حقاً والتزموا ذلك، لكنهم أخطأوا في بعض المسائل الخبرية أو العملية، فهؤلاء قد دل الكتاب والسنة على عدم خروجهم من الدين، وعدم الحكم لهم بأحكام الكافرين، وأجمع الصحابة رضي الله عنهم والتابعون ومن بعدهم من أئمة السلف على ذلك) ((الإرشاد في معرفة الأحكام)) (ص: 207).

أقوال بعض العلماء فى العذر بالجهل:

لقد تواتر أقوال السلف قديماً وحديثاً  فى العذر بالجهل وهذا البحث لا يسع كل أقوالهم ولكنى انقل بعض النقول فقط  وانا اعلم إن اقوالهم ليس حجة ولكن راداً على من زعم الإجماع على عدم العذر بالجهل فى العقيدة وعلى من رمى العلماء بالارجاء والكفر والعياذ بالله ممن يقولون بالعذر

1}  قال شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله :

قال : ( والتكفير هو من الوعيد فإنه وان كان القول تكذيباً لما قاله الرسول لكن قد يكون الرجل:-

1. … حديث عهد بإسلام .

2. … أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة

3. … وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص.

4. … أو سمعها ولم تثبت عنده .

5. … أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً.

وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: “إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم، فو الله لإن قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين , ففعلوا به ذلك فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له” فهذا رجل شكَّ في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُري، بل اعتقد أنَّه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك، والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من مثل هذا)  ( مجموع الفتاوى (3/229 ، 231).

وأغلب الأخوة غلاة التكفير يأخذون بكلام الشيخ فى رقم 1 ورقم 2 فقط ويتركون 3و4و5 والله المستعان

و قوله – رحمه الله -:

 (فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحداً من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور و إن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلممما يخالفه) (الرد على البكري 376، وانظر مجموع الفتاوى 1/372،).

فهذا الكلام من ابن تيمية فيه أن الاستغاثة بالقبور كفر أكبر ولكن لا يحكم على كل من استغاث بها بالكفر حتى تقوم عليه الحجة وقرر أن هذا الإعذار يكون لكل من لم يبلغه العلم ولو لم يكن حديث عهد بالكفر

2} الإمام محمد عبد الوهاب رحمه الله :

 قال : {وإذا كنا: لا نكفر من عبد الصنم، الذي على [قبر] عبدالقادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله؟! إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر ويقاتل { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } ” [سورة النور، آية: 16] (الدرر السنية (1/102-104).وهذا النص اعترض عليه الخوارج والتكفريين منهم من قال انه مكذوب على الشيخ ولادليل عنده ومنهم من قال لو هو قال كذلك فهو كافر أيضاً !!  وهذا النص ذكره علماء الدعوة السلفية كلهم واولهم اولادة واحفادة مثل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في مصباح الظلام (ص324 ) وكذلك الشيخ سليمان بن سحمان (منهاج الحق والاتباع ص56، وانظر نصا مشابهاً في الضياء الشارق 372.) وغيرهم كثير حتى من قال منهم بعدم العذر بالجهل ذكرها ايضا مثل : الشيخ  علي بن خضير الخضير  فى  {الرسالة المتممة في مسالة الجهل في الشرك الأكبر

وقال أيضاً:

وقال وأما سؤالكم: هل هذا في المسلم الذي لم يصدر منه شرك بالكلية ؟.

فنقول: أما الشرك الذي يصدر من المؤمن، وهو لا يدري، مع كونه مجتهدا في اتباع أمر الله ورسوله، فأرجو أن لا يخرجه هذا من الوعد. وقد صدر من الصحابة أشياء من هذا الباب، كحلفهم بآبائهم، وحلفهم بالكعبة، وقولهم: ماشاء الله وشاء محمد؛ وقولهم: اجعل لنا ذات أنواط؛ ولكن إذا بان لهم الحق اتبعوه، ولم يجادلوا فيه حمية الجاهلية لمذهب الآباء والعادات وأما الذي يدعى الإسلام، وهو يفعل من الشرك الأمور العظام  فإذا تليت عليه آيات الله استكبر عنها، فهذا ليس بالمسلم  ؛ وأما الإنسان الذي يفعلها بجهالة، ولم يتيسر له من ينصحه، ولم يطلب العلم الذي أنزله الله على رسوله، بل أخلد إلى الأرض، واتبع هواه، فلا أدري ماحاله (الدرر السنية في الأجوبة النجدية(2/103)

3} الإمام عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب  :

قال وأمّا الجواب عن السّؤال الثّالث عن حال مَن صدر منه كفر من غير قصدٍ؛ بل هو جاهل، هل يعذر أم لا؟ سواء كان ذلك الشّيء قولاً، أو فعلاً، أو اعتقاداً، أو توسّلاً؟

فنقول: إذا فعل الإنسان الذي يؤمن بالله ورسوله ما يكون فعله كفراً، أو قوله كفراً، أو اعتقاده كفراً جهلاً منه بما بعث الله به رسوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فهذا لا يكون عندنا كافراً، ولا نحكم عليه بالكفر حتى تقوم الحجة الرّسالية التي يكفر من خالفها.

فإذا قامت عليه الحجّة، وبيّن له ما جاء به الرّسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، وأصرّ على فعل ذلك بعد قيام الحجّة، فهذا هو الذي يكفر؛ وذلك لأنّ الكفر إنّما يكون بمخالفة كتاب الله وسنة رسوله، وهذا مجمع عليه بين العلماء في الجملة واستدلوا بقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً}، [الإسراء: من الآية: 15].

وبقوله: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ}، [الزّمر: 71].

واستدلّوا أيضاً بما ثبت في الصّحيحين والسّنن وغيرها من كتب الإسلام من حديث حذيفة أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال: “إنّ رجلاً مِمَّن كان قبلكم قال: لبنيه إذا أنا منت فاحرقونِي ثم ذروا نصفي في البرّ ونصفي في البحر، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبنِي عذاباً لا يعذّبه أحداً من العالمين، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر الله البرّ فجمع ما فيه، ثم قال له: كن فإذا الرّجل قائم، قال الله: ما حملك على ذلك؟ قال: خشيتك ومخافتك فما تلافاه أن رحمه” فهذا الرّجل اعتقد أنّه إذا فعل به ذلك لا يقدر الله على بعثه جهلاً منه لا كفراً، ولا عناداً، فشكّ في قدرة الله على بعثه، ومع هذا غفر له ورحمه.

وكلّ مَن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة بالرسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ولكن الجاهل يحتاج إلى مَن يعرّفه بذلك من أهل العلم.والله سبحانه وتعالى أعلم.

وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم. ( الدرر السنية 10/239)

وقوله  :

 بعد كلامه عن الشفاعة، و أنها تطلب من الله عز وجل، وأن من قال: يا رسول الله أو يا ولي الله أسألك الشفاعة أو غيرها، فقد وقع في الشرك، قال: (فإن قال قائل منفر عن قبول الحق و الإذعان له: يلزم من تقريركم وقطعكم في أن من قال: يا رسول الله أسألك الشفاعة – أنه مشرك مهدر الدم – أن يقال بكفر غالبة الأمة، ولا سيما المتأخرين لتصريح علمائهم المعتبرين أن ذلك مندوب.. إلى أن قال: ونحن نقول فيمن مات (تلك أمة قد خلت) ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجة، وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبراً معانداً، كغالب من نقاتلهم اليوم يصرون على ذلك الإشراك، ويمتنعون من فعل الواجبات، ويتظاهرون بأفعال الكبائر المحرمات… فإن قلت: هذا فيمن ذهل فلما نبه انتبه، فما القول فيمن حرر الأدلة، واطلع على كلام الأئمة القدوة، واستمر مصراً على ذلك حتى مات؟

قلت: ولا مانع من أن نعتذر لمن ذكر، ولا نقول إنه كافر، لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته بلسانه، وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة، ولا وضحت له المحجة…) (الدرر السنية في الأجوبة النجدية (1/149) فانظر إلى آخر كلامه: (لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته..) نجده صريحاً في أن قيام الحجة يختلف من زمن إلى زمن ومن شخص إلى شخص، ولا فرق بين مسألة وأخرى.

4} العلامة أبو المعالي محمود شكري الألوسي:

يقرر هذا الأمر في كتابه، بعد ما ساق كلاماً طويلاً لشيخ الإسلام في رده على البكري، فيقول – رحمه الله-: (والذي تحصل مما سقناه من النصوص: أن الغلاة ودعاة غير الله وعبدة القبور إذا كانوا جهلة بحكم ما هم عليه، ولم يكن أحد من أهل العلم قد نبههم على خطئهم فليس لأحد أن يكفرهم، و أما من قامت عليه الحجة و أصر على ما عنده واستكبر استكباراً، أو تمكن من العلم فلم يتعلم فسنذكر حكمه في الآتي …)( غاية الأماني في الرد على النبهاني 1/36)

5} الإمام ابن حزم رحمه الله  :

قال بعدما ذكر الحديث صاحب الوصية الجائرة : (…. فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله عز وجل يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله) (الفصل 3/252.).

وقال  : (ومن بلغه الأمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من طريق ثابتة، وهو مسلم، فتأول في خلافه إياه، أو ردّ ما بلغه بنص آخر، فما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ، فهو مأجور معذور، لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة في ذلك، فعاند، فلا تأويل بعد قيام الحجة) ((الدرة)) (ص: 414)، وانظر ((الفصل)) (3/ 296، 297)

وقال: ” وكل ما قلنا فيه إنه يفسق فاعله أو يكفر بعد قيام الحجة عليه فهو ما لم تقم عليه الحجة معذور مأجور وإن كان مخطئاً، وصفة قيام الحجة عليه هو أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها”  {الإحكام لابن حزم 1/67.}

تنبيه مهم :

أطلق بن حزم العذر بالجهل حتى عذر من أستهزأ بالله  وهذا شئ لايتصور فيه الجهل أبداً فقال عفا الله عنه ( صح بالنص إن كل من إستهزأ بالله تعالى أو بملك من الملائكة أو بالأنبياء عليهم السلام أو بآية من القرآن أو بفريضة من الدين فهى كلها آيات الله تعالى بعد بلوغ الحجة  إليه فهو كافر ! ) { الفصل فى الملل 3 / 299 }

حتى أنه له تقريرات أخرى وتنبيهات لم يصب فيها مثل تفريقه بين من علم الحكم فعانده لله  ورسوله فهو كافر وبين من علم الحكم فعانده للحق فهو فاسق والصحيح أنه لا فرق ولا دليل على التفريق

6} قال ابن قدامة رحمه الله (620هـ):

(( وكذلك كلُّ جاهل بشيء يُمكن أن يجهله، لا يُحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك )). المغني (12/277).

7} العلامة القاسمى رحمه الله :

قال : الجاهل والمخطئ من هذه الأمة، ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً، فإنّه يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبيّن له الحجة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً ما يلتبس على مثله، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، مما أجمعوا عليه إجماعاً قطعيّاً يعرفه كلّ المسلمين من غير نظرٍ وتأمّلٍ.. ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع  {محاسن التأويل للقاسمي (5/1307 ـ 1308).}

8} العلامة عبد الله صالح آل الشيخ }:

سؤال : قال تعالى ?وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا?[الإسراء:15]، وقال تعالى ?لِئلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ?[النساء:165]، يستدل بذلك بعض الجماعات بأن الحجة قامت على الناس بإرسال خاتم النبيين والمرسلين، ويستنبطون من ذلك تكفير كل من ارتكب ما يكفره بدون إقامة حجة عليه، فما رأيكم في هذا القول؟

هذا أوضحناه مرارا من أنه لا يكفي في إقامة الحجة ببعثة النبي – صلى الله عليه وسلم – في كل مسألة الناس خالفوا فيها الأصل الذي جاء به عليه الصلاة والسلام، بل مثل ما قلت لكم المسائل تقسم ما يعلم من الدين بالضرورة وما لا يعلم من الدين بالضرورة، المسائل تقسَّم إلى أشياء واضحة جلية تكون إقامة الحجة فيها سهلة، وأخرى تحتاج إلى إقامة حجة تلوى حجة، الذين يكفِّرون الناس بهذا الأمر هؤلاء خارجون عن السنة هؤلاء من جنس الخوارج، بل الخوارج كما هو معلوم لا يزالون يخرجون إلى قيام الساعة حتى يقاتل آخرهم مع الدجال والعياذ بالله، فهؤلاء هم الذين يكفرون الناس بالمعصية أو يكفرون الناس بدون إقامة للحجة بما يبيّنه أهل العلم.

إنما عندهم هوى فيكتفون بأصل بعثة النبي – صلى الله عليه وسلم – عن إقامة الحجة.

{شرح مسائل الجاهلية – الشريط الرابع }

9} العلامة الفوزان :  

 السائل : ما الفرقُ بينَ الوَصْفِ بالكُفْر ِ والحُكمِ على المُعينِ بالكفر ِ والإعتقادِ بكفرِ المُعينِ ؟

الشيخ : أمَّا الحُكمِ على الأَعْمَال ِ كدعاءِ غَيْرِ اللهِ ، والذَّبحِ لغيْرِ الله والإستِغاثَةِ بغيرِ الله ِوالإستهزاء بالدّينِ ومسبَّةِ الدِّينِ ؛ هذا كُفْرٌ بالإجمَاعِ بلا شك ، لكنِ الشَّخْصِ الذَّي يصدُر منه هذا يُتأَمَلُ فيهِ؛ فإِن كان جاهلاً أَوْ كانَ مُتأَوِلاً أوْ مُقَلِداً فيُدرأُ عنهُ الكُفْرُ حتى يُبيّن لهُ، حتى يُبيّن لهُ الحق ، لأنّ قد تكون عندهُ شبهةٌ أو عندهُ جهل ما يُتسَرعُ في إِطلاق ِ الكفرُ عليهِ حتى تُقامُ عليهِ الحجةُ ، فإذا أُقيمت عليهِ الحجةُ واستمر عليه ؛ فيحكمُ عليهِ بالكُفرِ لأنَّهُ ليسَ لهُ عذر””

( شرح رسالة “الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك” للشيخ سليمان بن عبد الوهاب – رحمه اللهص 212)

10} العلامة محمد الحسن الددو الشنقيطي :

السؤال

 بعض العلماء ينكرون على الدعاة ويكفرونهم حسبنا الله ونعم الوكيل، فما جواب ذلك؟

الجواب

 تكفير المسلم خطره عظيم جداً، قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما )، وقال: ( تكفير المسلم كقتله )، وقال: ( إن قال الرجل لأخيه: كافر فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه ) وحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من التكفير تحذيراً بالغاً، ولذلك لا يحل تكفير المسلمين، وعلى المسلم أن يتقي الله، ويعلم أنه إذا كفره وهو غير كافر في علم الله فقد رجعت عليه وحارت عليه، ويكون هو كافراً، نسأل الله السلامة والعافية، ولهذا فالتكفير صعب جداً.

والتكفير المعين يشترط له سبعة شروط:

الشرط الأول: أن لا يكون من قال الكفر أو فعله مكرهاً عليه؛ لقول الله تعالى: { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ } [النحل:106] .

الشرط الثاني: أن لا يكون جاهلاً؛ لقول الله تعالى: { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } [الأعراف:138] ، ولم يقل: إنكم قوم تكفرون.

وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه مر على شجرة كانت تدعى في الجاهلية (ذات أنواط)، فقالوا: ( يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال: الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفس محمد بيدهما قال أصحاب موسى : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة )، ولم يكفر أحداً منهم.

الشرط الثالث: أن لا يكون الإنسان مقلداً إذا جرت عليه العادة في بلده، فإن وجد الناس على شيء لا ينكرونه ففعله أحدهم ولو كان ذلك كفراًفإنه لا يكفر به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تحلفوا باللات ولا بالعزى، فمن قال ذلك فليقل: آمنت بالله )، وسمع عمر يحلف بأبيه فقال: ( لا تحلفوا بآبائكم، فمن حلف بغير الله فقد أشرك )، ومع ذلك لم يكفر أحداً بهذا الحلف.

الشرط الرابع: أن لا يكون مغطىً على عقله مغلوباً عليه، فإن كان مغطىً على عقله مغلوباً عليه فإنه لا يكفر بذلك؛ لقصة الرجل التي قصها لنا النبي صلى الله عليه وسلم ( أن رجلاً كان عاصياً، فلما دنا أجله جمع أولاده وأخذ عليهم العهود والمواثيق إذا هو مات أن يحرقوا جثته وأن يقسموا رماده نصفين فيرموا نصفه في البر ونصفه في البحر، قال: فلإن قدر الله علي ليعذبنني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين – يشك في قدرة الله -.

فلما مات فعلوا به ما أمر، فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه، فقام بشراً سوياً، فقال: إيه عبدي! ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيت يا رب، فغفر له )، فهذا كان مغطىً على عقله بخشية الله وقت موته، فلذلك غفر الله له، مع أن ما قاله هو كفر.

الشرط الخامس: أن لا يكون غالط اللسان، فإن غلط لسانه وقال الكفر من غير قصد فإنه لا يكفر بذلك؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: ( أن آخر رجل يدخل الجنة يقول: اللهم! أنت عبدي وأنا ربك.

أخطأ من شدة الفرح )، وكذلك في الحديث الذي في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن من أحدكم تكون معه راحلته وعليها زاده ومتاعه بفلاة من الأرض، فتنفلت منها فيتبعها، حتى إذا أيس من نفسه رأى شجرة فقال: لعلي أموت عندها.

فبينما هو كذلك إذا راحلته عنده فأمسك بخطامها وهو يقول: اللهم! أنت عبدي وأنا ربك.

أخطأ من شدة الفرح )، فهذا لا يكفر به.

الشرط السادس: أن يكون الإنسان قد أقيمت عليه الحجة، فإذا لم تقم عليه الحجة فإنه لا يكفر؛ لقول الله: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } [الإسراء:15] .

الشرط السابع: أن يثبت ذلك عليه؛ لأن التكفير حكم قضائي يحتاج إلى إثبات، فالمتأول الذي لا يقصد الكفر وإنما اجتهد فأخطأ لا يكفر بذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، وإذا اجتهد فأخطأ كان له أجر ).

{درس مفرغ على إسلام ويب رقم 45 بعنوان حكم تكفير المسلمين وشروط تكفير المعين }

التقليد في العقيدة وهل يعتبر عذرا :

حكم التقليد فى العقيدة :

اختلف الأئمة والعلماء في مسألة التقليد في العقائد، فذهب كثير من الأصوليين والمتكلمين إلى تحريم التقليد، وذهب كثير من الفقهاء من الحنابلة والظاهرية وغيرهم إلى جواز ذلك وهو الراحج

نقل عن الأئمة الأربعة، واشتهر عن الحنابلة والظاهرية وغيرهم (انظر ((البحر المحيط)) (6/ 278)، ((إرشاد الفحول)) (266)، ((الأحكام)) للآمدي (4/ 223)، وغيرها.) ونسبه شيخ الإسلام – رحمه الله – إلى جمهور الأمة. قال رحمه الله: (أما في المسائل الأصولية فكثير من المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يوجب النظر والاستدلال على كل أحد وأما جمهور الأمة فعلى خلاف ذلك، فإن ما وجب علمه إنما يجب على من يقدر على تحصيل العلم، وكثير من الناس عاجز عن العلم بهذه الدقائق، فكيف يكلف العلم بها؟) (((مجموع الفتاوى)) (20/ 202).). ومن أهم أدلتهم: (أن الأصول والفروع قد استويا في التكليف بهما، وقد جاز التقليد في الفروع فكذلك في الأصول) (((الأحكام)) للآمدي (4/ 225)، أما القول بأن المطلوب في العقائد اليقين وفي الفروع الظن فهذا من بدع المتكلمين المشهورة، وبسببها قالوا: لا يحتج بحديث الآحاد في أمور العقيدة، ولا يصح إيمان المقلد وغير ذلك من البدع.)، ولا دليل على التفريق بينهما، وردوا على ما اشترط أو أوجب النظر على الجميع، بأن ذلك يقتضي تضليل أو تكفير عوام المسلمين، وأن ذلك من تكليف ما لا يطاق، يقول المظفر بن السمعاني – رحمه الله – (إيجاب معرفة الأصول على ما يقوله المتكلمون، بعيد جداً عن الصواب، ومتى أوجبنا ذلك، فمتى يوجد من العوام من يعرف ذلك؟ ويصدر عقيدته عنه؟ كيف وهم لو عرضت عليهم تلك الأدلة لم يفهموها، وإنما غاية العامي أن يتلقى ما يريد أن يعتقده ويلقى به ربه من العلماء، ويتبعهم في ذلك ويقلدهم) إلى أن يقول: (ونحن لا ننكر من الدلائل العقلية بقدر ما ينال المسلم به رد الخاطر، وإنما المنكر إيجاب التوصل إلى العقائد في الأصول بالطريق الذي اعتقدوا، وساموا به الخلق، وزعموا أن من لم يفعل ذلك لم يعرف الله تعالى، ثم أدى بهم ذلك إلى تكفير العوام أجمع .. ) (((البحر المحيط)) (6/ 279)، وانظر ((إرشاد الفحول)) (ص: 267).).

ويقول الحافظ صلاح الدين العلائي في بيان ذلك: (من لا أهلية له لفهم شيء من الأدلة أصلاً وحصل له اليقين التام بالمطلوب، إما بنشأته على ذلك أو لنور يقذفه الله في قلبه، فإنه يكتفي منه ذلك، ومن فيه أهليه لفهم الأدلة لم يكتف منه إلا بالإيمان عن دليل، ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه وتكفي الأدلة المجملة التي تحصل بأدنى نظر، ومن حصلت له شبهة وجب عليه التعلم إلى أن تزول عنه أما من غلا فقال لا يكفي إيمان المقلد فلا يلتفت إليه، لما يلزم منه القول بعدم إيمان أكثر المسلمين، وكذا من غلا أيضاً فقال: لا يجوز النظر في الأدلة، لما يلزم منه من أن أكابر السلف لم يكونوا من أهل النظر) (((فتح الباري)) (13/ 354).)، ورد الإمام الشوكاني على ما حكاه أبو منصور البغدادي عن أئمة الحديث بأنهم يفسقون تارك الاستدلال، فقال: (فيالله العجب من هذه المقالة التي تقشعر لها الجلود وترجف عند سماعها الأفئدة، فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة، وتكليف لهم بما ليس في وسعهم ولا يطيقونه، وقد كفى الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد، ولا قاربوها – الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرهم بمعرفة ذلك ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته، وما حكاه الأستاذ أبو منصور عن أئمة الحديث من أنه مؤمن وإن من فسق فلا يصح التفسيق عنهم بوجه من الوجوه بل مذهب سابقهم ولاحقهم الاكتفاء بالإيمان الجملي، وهو الذي كان عليه خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (((إرشاد الفحول)) (ص: 266)

أما اشتراط بعضهم النظر، واستدلالهم بالآيات الواردة في ذلك (فلا حجة فيها لأن من لم يشترط النظر لم ينكر أصل النظر، وإنما أنكر توقف الإيمان على وجود النظر بالطرق الكلامية إذا لا يلزم من الترغيب في النظر جعله شرطاً) (((فتح الباري)) (13/ 354)

الخلاصة ندرك بطلان اشتراط النظر والاستدلال، أو إيجابه على الجميع، لضعف الاستدلال على ذلك، ولقيامه على أصل فاسد، وهو التفريق بين الأصول والفروع، وقولهم: إن الأصول يجب فيها اليقين والعلم فلا يجوز فيها التقليد، والفروع يكفي فيها الظن، … إذا يجوز التقليد في العقائد للعامي الذي لا يستطيع النظر والاستدلال، كجواز ذلك في الأحكام ولا فرق. أما من يستطيع الاستدلال فلا يجوز له التقليد في العقائد أو الأحكام، للأدلة الواردة في ذم التقليد والمقلدين (إلا إذا عجز عن الاستدلال إما لتكافؤ الأدلة، أو لضيق الوقت عن الاجتهاد ونحو ذلك، انظر ((الفتاوى)) (20/ 204).). لكن لا يشترط النظر والاستدلال لصحة الإيمان والله أعلم.

حكم من وقع في الكفر تقليداً، هل يعذر بذلك؟

الذي يظهر من كلام الأئمة أن العذر بالتقليد من جنس العذر بالتأول والجهل، باعتبار المقلد جاهلاً لا يفهم الدليل أو الحجة، فإذا عذر من وقع في الكفر متأوّلاً رغم علمه واجتهاده، فعذر من يقلده من العوام الجهّال من باب أولى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعدما تكلم عن كفر وضلال أهل الحلول والاتحاد من غلاة المتصوفة كابن سبعين وابن عربي وابن الفارض وأمثالهم: (فكل من كان أخبر بباطن هذا المذهب، ووافقهم عليه، كان أظهر كفراً، وإلحاداً، وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء ولا يفهمونه، ويعتقدون أنه من جنس كلام المشايخ العارفين الذين يتكلمون بكلام صحيح لا يفهمه كثير من الناس، فهؤلاء تجد فيهم إسلاماً وإيماناً، ومتابعة للكتاب والسنة بحسب إيمانهم التقليدي، وتجد فيهم إقراراً لهؤلاء وإحساناً للظن بهم، وتسليماً لهم بحسب جهلهم وضلالهم، ولا يتصور أن يثني على هؤلاء إلا كافراً ملحد، أو جاهل ضال) (((مجموع الفتاوى)) (2/ 367).).

فنلاحظ من كلام شيخ الإسلام إعذاره للجهال الذين يحسنون الظن بكلام هؤلاء الغلاة ولا يفهمونه حيث قال: إن فيهم إسلاماً وإيماناً ومتابعة للكتاب والسنة رغم ضلالهم وجهلهم، وفي موضع آخر يشير رحمه الله إلى موقف الإمام أحمد رحمه الله من ولاة الأمر الذين قالوا بقول الجهمية، وامتحنوا وعاقبوا من خالفهم (ومع هذا فالإمام أحمد رحمه الله تعالى ترحم عليهم واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لم  يبين لهم أنهم مكذبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطئوا، وقلدوا من قال لهم ذلك … ) (((مجموع الفتاوى)) (23/ 349).) فالإمام أحمد رحمه الله عذر هؤلاء لأنهم مقلدون لمن يظنونهم من أهل العلم، وقد استدل شيخ الإسلام بهذا الموقف من إمام أهل السنة من بعض أتباع الجهمية على العذر بالتأويل والجهل كما سبق مما قد يدل على أن العذر بالتقليد عنده من جنس العذر بالجهل والخطأ والله أعلم.

وفي موضع ثالث يشير إلى عذر بعض من يقلد الشيوخ والعلماء فيما هو من جنس الشرك، قال رحمه الله بعد كلام حول هذا الموضوع: ( .. وإن كانت من جنس الشرك، فهذا الجنس ليس فيه شيء مأمور به، لكن قد يحسب بعض الناس في بعض أنواعه أنه مأمور به، وهذا لا يكون مجتهداً، لأن المجتهد لابد أن يتبع دليلاً شرعياً، وهذه لا يكون عليها دليل شرعي، لكن قد يفعلها باجتهاد مثله، وهو تقليده لمن فعل ذلك من الشيوخ والعلماء, والذين فعلوا ذلك قد فعلوه لأنهم رأوه ينفع، أو لحديث كذب سمعوه، فهؤلاء إذا لم تقم عليهم الحجة بالنهي لا يعذبون .. ) (((مجموع الفتاوى)) (20/ 32، 33).).

وقال أيضاً: (وأما المنتسبون إلى الشيخ يونس، فكثير منهم كافر بالله ورسوله، لا يقرون بوجوب الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، بل لهم من الكلام في سب الله ورسوله والقرآن والإسلام ما يعرفه من عرفهم. أما من كان فيهم من عامتهم لا يعرف أسرارهم وحقائقهم، فهذا يكون معه إسلام عامة المسلمين الذي استفاده من سائر المسلمين لا منهم) (((مجموع الفتاوى)) (2/ 106 – 107)، وانظر (2/ 131 – 133، 378).).

مما سبق يتبين لنا إعذار الأئمة لمن وقع في الكفر تقليداً إن كان جاهلاً لا بصيرة له ولا فقه، أما إن كان قادراً على فهم الحجة وفرط في طلبها فإنه يأثم، ولكنه لا يكفر إلا بعد قيام الحجة والله أعلم  { نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبدالله بن علي الوهيبي– 2/ 39 } والإمام بن القيم رحمه الله يعذر عوام الفرق الضالة المقلدين وهذا سيأتى بيانه أخر البحث

العذر بالجهل يشمل الدين كله ولا فرق بين مسائل العقيدة ومسائل الفقه إذ لا دليل يفرق :

لقد دلت  النصوص الكثيرة والمتواترة على إعذار النبى صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة رضى الله عنهم ولكن الأخوة من غلاة التكفير لم يجدوا رداً أمام النصوص الصحيحة الصريحة إلا أنهم قالوا يعذر فى الفروع ولا يعذر فى الأصول وادعوا ان هذا من كلام السلف وخاصة شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله ولذلك نقول لهم  بين شيخ الإسلام، فساد تقسيم الدين إلى أصول يكفر منكرها، والمخطيء فيها وفروع لا يكفر منكرها ولا المخطيء فيها، وبين أن هذا التقسيم لا أصل له عن السلف لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان، وهو تقسيم متناقض (… فإنه يقال لمن فرق بين النوعين: ما حد مسائل الأصول التي يكفر المخطيء فيها؟ وما الفصل بينهما وبين مسائل الفروع؟ فإن قال: مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد، ومسائل الفروع هي مسائل العمل، قيل له: فتنازع الناس في محمد – صلى الله عليه وسلمهل رأى ربه أم لا؟ وفي أن عثمان أفضل من علي، أم علي أفضل؟ وفي كثير من معاني القرآن وتصحيح بعض الأحاديث هي من المسائل الاعتقادية العلمية، ولا كفر فيها بالاتفاق، ووجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحريم الفواحش والخمر هي مسائل علمية، والمنكر لها يكفر بالاتفاق، و إن قال: الأصول هي المسائل القطعية، قيل له: كثير من مسائل العمل قطعية، وكثير من مسائل العلم ليست قطعية، وكون المسألة قطعية أو ظنية هو من الأمور الإضافية، وقد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور الدليل القاطع له، كمن سمع النص من الرسول – صلى الله عليه وسلموتيقن مراده منه، وعند رجل لا تكون ظنيه، فضلا عن أن تكون قطعية لعدم بلوغ النص إياه، أو لعدم ثبوته عنده، أو لعدم تمكنه من العلم بدلالته) (مجموع الفتاوي 23/346/347، وانظر 13/125،126، ومنهاج السنة 5/87-91) وبين أن الاعتبار بالتكفير بقيام الحجة أو عدم قيامها، بصرف النظر عن كون المسألة من العقائد أو الأحكام، أو من الفرائض الظاهرة المتواترة أو غير ذلك، قال رحمه الله: (… و أما الفرائض الأربع فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو كافر، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك، و أما من لم تقم عليه الحجة مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر، وأمثال ذلك. فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصروا كفروا حينئذ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك، كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون، وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا من التأويل) (مجموع الفتاوي 35/165)

ضوابط المعلوم من الدين بالضرورة والعذر فيه :

ضابط المعلوم بالدين بالضرورة :

إن المعلوم من الدين بالضرورة منه ما هو مشترك بين جميع أفراد الأمة، علماء وعامة، ومنه ما هو مختص بالعلماء فقط، بحيث يكون معلوماً لهم بالضرورة، ولا يكون كذلك لمن هم دونهم في العلم كالعامة مثلاً.إطلاق القول بأن المعلوم من الدين بالضرورة أمر قد قامت به الحجة على جميع الناس، فلا يسعهم جهله ومن ثمة مخالفته، فهذا قول غير دقيق ويحتاج إلى مراجعة وتأمل { الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر معاش – ص: 491 }

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (كون الشيء معلوماً من الدين ضرورة أمر إضافي، فحديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة قد لا يعلم هذا بالكلية، فضلاً عن كونه يعلمه بالضرورة. وكثير من العلماء يعلم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد للسهو، وقضى بالدية على العاقلة، وقضى أن الولد للفراش، وغير ذلك مما يعلمه الخاصة بالضرورة، وأكثر الناس لا يعلمه البتة) ((مجموع الفتاوى)) (13/ 118))

كما أن المعلوم من الدين بالضرورة يختلف كونه كذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة من حيث ظهور آثار الرسالة أو دروسها

 قال الشيخ أحمد فريد (فالمعلوم من الدين بالضرورة في الأزمنة (والأمكنة) التي تشرق فيها شمس الشريعة، ويكثر فيها العلماء العاملون الذين يبلغون دين الله ويقيمون الحجة على عباد الله، غير المعلوم من الدين بالضرورة إذا غابت شمس الشريعة، وكان العلماء علماء سوء يلبسون على الناس دينهم، وأهل الحق قليلون، وصوتهم لا يصل إلى الناس كلهم) ((العذر بالجهل والرد على بدعة التكفير(ص: 17))

إذاً لو لخصنا تعريف للمعلوم بالدين بالضرورة نقول :

هو ما كان عليه إجماعاً ونص صحيح ومعلوماً  للجميع  ويستوى فى ذلك الخاصة  والعامة والقاصى والدانى والمتعلم والأمى  ولا يستلزم جهد  بل هو منتشر  فى كل الأمكنة والأزمة  هذا من ينكره أو يفعل بخلافه يكون كافراً ولا يقبل منه  عذر بجهل او تأويل او تقليد  أنا خلاف ذلك فيقبل قال الإمام الخطابي رحمه الله: (أما ما كان الإجماع فيه معلوماً من طريق علم الخاصة، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمداً لا يرث، وأن للجدة السدس وما أشبه ذلك من الأحكام، فإن من أنكرها لا يكفر، بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة) (((شرح مسلم)) للنووي (1/ 173).

 والخلاصة:

 أن الحكم في مسألة المعلوم من الدين بالضرورة ومدى العذر بجهله ليس مطرداً، بل مجاله التفصيل على النحو الذي مر معنا؛ نظراً لاختلاف مناط الحكم بحسب الأحوال المعلقة بالمسائل العلمية، أو بالأشخاص ما بين علماء وعامة وحديث عهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة، أو بالأمكنة والأزمنة من حيث ظهور العلم وانتشاره أو دروسه وقلة حملته على الوجه الصحيح – والله تعالى أعلم.

{ الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر معاش – ص: 496 }

: ما لايعذر بالجهل فيه ولا بالتأويل

نحن أهل السنة والجماعة وسط بين كل الفرق بين الإفراط التفريط

ولذلك فنحن وسط بين من لم يعذر بالجهل والتأويل إطلاقاً وبين من يعذر بالجهل والتأويل على اللإطلاق أيضاً

فنحن بإختصار:

1- لا نعذر غير المسلم( مسيحى يهودى بوذى ملحد …)  أبداً فى إى مسألة كانت لأن أدلة العذر بالجهل مقيدة بالمسلمين فقط

2- ولا نعذر المسلم  فى إى مسألة لايتصور فيها الجهل ولا تحتمل التأويل والشبهة من أى وجه ويعلمها القاصى والدانى والمسلم وغير المسلم حتى (المعلوم بالدين بالضروى على اليقين )

3- وً لا عذر بالجهل في الإقرار المجمل بالإسلام والبراءة المجملة من كل دين يخالفه، فكل من لم يدن بدين الإسلام الذي لبه وزبدته إفراد الله تبارك وتعالى بالعبادة والطاعة، فهو كافر، سواءً كان ذلك عناداً أم جهلاً  فالجهل بهذا الأصل لا يعتبر عذرا للحكم بقيام الحجة فيه على كل معين أقر بالشهادتين، وإنما يعذر بالجهل في بعض تفاصيل هذا الأصل إذا لم تبلغ المكلف الحجة فيها، أو قامت في ذهن المكلف شبهات يعذر بها ويدخل فى ذلك الإعراض والكره لهذا الدين ونحوه

4- كذلك لا نعذر أحد قال أو فعل أحد شئ يدخل فى كفر الإستهزاء فكفر الاستهزاء بالله تبارك وتعالى، وبآيات الله، وبأنبياء الله ورسله وبكتاب الله وكسب الله أو رسوله أو دينه لا دخل للعذر بالجهل فيه أبداً لوجود النص الصحيح الصريح فيه والإجماع القطعى ولا يمكن أن يصدر عن مؤمن يحب الله ورسوله ودينه. فإن السب بغض وكراهية، ولا يكون إيمان أبداً في قلب من لم يحب الله ورسوله ودينه. ولا ينظر هنا إلى استحلاله أو عدمه، فإن السب كفر بذاته، وهو دال دلالة قطعية على قصد من تلبس به، وإن صدر ممن يدعي الإسلام، وإذا قال فاعله: أنا جاهل بهذا الحكم لا يلتفت إليه؛ لأن هذا فيه استهانة بالله عز وجل، وتعظيم الرب تبارك وتعالى لا يحتاج إلى علم، ولا يجهله أحد، حتى اليهود والنصارى، فما من أحد إلا وهو يدين بتعظيم الله عز وجل، حتى الطفل الصغير فهذا مما هو معروف، ولا أحد يجهل تعظيم الله، وتعظيم رسل الله وأنبيائه وكتبه

5- ولا نعذر بالجهل المعرض وهو كل من أعرض عن الدين لايتعلمه ولايعمل به ولا يدعوا إليه ولا يفعل الخير أبداً ولايبالى

6- ولا نعذر بالجهل المعاند وهو كل من تلبس بشرك أو كفر وقامت عليه الحجة من العلماء وتبين له الحق وخالفه!

العذر بالجهل والإرجاء:  

لم يقل أحد ممن صنفوا فى الفرق الضالة أن القول بالعذر بالجهل خاص بالمرجئة أو الجهمية أو إى فرقة كانت واليوم تسمع غلاة التكفير الذين لا يعذرون بالجهل يطلقون على من يعذر بالجهل أنه من غلاة المرجئة ومن الجهمية رغم اننا بينا بالدليل القاطع ان النبى صلى الله عليه وسلم عذر الصحابه وكذلك اتبعه الصحابه والتابعون على ذلك ولم نعرف يوماً أحداً وصف العلماء الذين يعذرون بالجهل أنهم مرجئة وهم يدعون بلا دليل فكلمهم مردود

وسئل فقه العصر الإمام بن عثيمين رحمه الله :

 ما حكم من يصف الذين يعذرون بالجهل بأنهم دخلوا مع المرجئة في مذهبهم ؟ .

فأجاب :

وأما العذر بالجهل : فهذا مقتضى عموم النصوص ، ولا يستطيع أحد أن يأتي بدليل يدل على أن الإنسان لا يعذر بالجهل ، قال الله تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) الإسراء/ 15 ، وقال تعالى : ( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) النساء/ 165 ، ولولا العذر بالجهل : لم يكن للرسل فائدة ، ولكان الناس يلزمون بمقتضى الفطرة ولا حاجة لإرسال الرسل ، فالعذر بالجهل هو مقتضى أدلة الكتاب والسنة ، وقد نص على ذلك أئمة أهل العلم : كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، لكن قد يكون الإنسان مفرطاً في طلب العلم فيأثم من هذه الناحية أي : أنه قد يتيسر له أن يتعلم ؛ لكن لا يهتم ، أو يقال له : هذا حرام ؛ ولكن لا يهتم ، فهنا يكون مقصراً من هذه الناحية ، ويأثم بذلك ، أما رجل عاش بين أناس يفعلون المعصية ولا يرون إلا أنها مباحة ثم نقول : هذا يأثم ، وهو لم تبلغه الرسالة : هذا بعيد ، ونحن في الحقيقة – يا إخوانيلسنا نحكم بمقتضى عواطفنا ، إنما نحكم بما تقتضيه الشريعة ، والرب عز وجل يقول : ( إن رحمتي سبقت غضبي ) فكيف نؤاخذ إنساناً بجهله وهو لم يطرأ على باله أن هذا حرام ؟ بل إن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قال : ” نحن لا نكفر الذين وضعوا صنماً على قبر عبد القادر الجيلاني وعلى قبر البدوي لجهلهم وعدم تنبيههم ” لقاءات الباب المفتوح ” ( 33 / السؤال رقم 12 ) .

 نصيحة لأخوانى غُلاة التكفير :

يلزم من عدم العذر بالجهل ان نكفر اغلب المسلمين  فما من مسلم عالم إلا واجتهد وأخطأ فى مسائل العقيدة وكثير من العوام تقلدهم

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

 ” ومذهب أهل السنة أنه لا إثم على من اجتهد وإن أخطأ ” ( ” مجموع الفتاوى ” (19/123) ) .

وقال : ” وأما ما اجتهدوا فيه فتارة يصيبون وتارة يخطئون ، فإذا اجتهدوا وأخطأوا فلهم أجر على اجتهادهم ، وخطؤهم مغفور لهم , وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين ، فتارة يغلون فيهم ، ويقولون : إنهم معصومون ، وتارة يجفون عنهم ، ويقولون : إنهم باغون بالخطأ . وأهل العلم والإيمان لا يعصمون ولا يؤثمون.

وقال أيضا رحمه الله : ” فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومناظر ومفت وغير ذلك إذا اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع ، كان هذا هو الذى كلفه الله إياه ، وهو مطيع لله مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع ، ولا يعاقبه الله البتة ، خلافا للجهمية المجبرة ، وهو مصيب بمعنى أنه مطيع لله ، لكن قد يعلم الحق فى نفس الأمر ، وقد لا يعلمه ” ( ” منهاج السنة ” (5/111 ) ) .

وقال أيضا رحمه الله : ” ليس كل من اجتهد واستدل يتمكن من معرفة الحق ، ولا يستحق الوعيد إلا من ترك مأمورا أو فعل محظورا ، وهذا هو قول الفقهاء الأئمة ، وهو القول المعروف عن سلف سلف الأمة ، وهو قول جمهور المسلمين . وقد يكون ذلك الخطأ المغفور للمجتهد فى أمر علمى خبرى لاعتقاد ثبوت الشىء لدلالة آية أو حديث ” ( ” مجموع الفتاوى ” ” 19/213 ” ) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ” والخطأ المغفور فى الاجتهاد هو فى نوعى المسائل : الخبرية والعلمية … كمن اعتقد ثبوت شىء للدلالة آية أو حديث ، وكان لذلك ما يعارضه ، ويبين المراد ولم يعرفه ، مثل ما اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته ، أواعتقد أن الله لا يرى ، لقوله ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾ ، ولقوله : ﴿  وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾  ، كما احتجت عائشة بهاتين الآيتين على انتفاء الرؤية فى حق النبى صل الله عليه وسلم ، وإنما يدلان بطريق العموم .

وكما نقل عن بعض التابعين أن الله لا يرى ، وفسروا قوله : ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ, إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ بأنها تنتظر ثواب ربها كما نقل عن مجاهد وأبى صالح .

أو من اعتقد أن الميت لا يعذب ببكاء الحى ، لاعتقاده أن قوله ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ يدل على ذلك أ وأن ذلك يقدم على رواية الراوى لأن السمع يغلط ، كما اعتقد ذلك طائفة من السلف والخلف .

أو اعتقد أن الميت لا يسمع خطاب الحى ، لاعتقاده أن قوله ﴿ إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ﴾ يدل على ذلك .

أو اعتقد أن الله لا يعجب ، كما أعتقد ذلك تشريح ، لاعتقداه أن العجب إنما يكون جهل السبب ، والله منزه عن الجهل .

أو اعتقد أن عليا أفضل الصحابة لاعتقاده صحة حديث الطير ، وأن النبى صل الله عليه وسلم  قال ” اللهم ائتنى بأحب الخلق إليك ، يأكل معى من هذا الطير.

أو اعتقد أن من حبس للعدو وعلمهم بغزو النبى صل الله عليه وسلم  فهو منافق ؛ كما اعتقد ذلك عمر فى حاطب قال ” دعنى أضرب عنق هذا المنافق.

أو اعتقد أن من غضب لبعض المنافقين غضبة فهو منافق كما اعتقد ذلك أسيد بن حضير فى سعد بن عبادة وقال ” إنك منافق تجادل عن المنافقين.

أو اعتقد أن بعض الكلمات أو الآيات أنها ليست من القرآن ، لان ذلك لم يثبت عنده بالنقل الثابت ، كما نقل عن غير واحد من السلف أنهم أنكروا ألفاظا من القرآن ، كإنكار بعضهم : ﴿ وَقَضَى رَبُّك ﴾ ، وقال : إنما هى ” ووصى بك ” وإنكار بعضهم قوله : ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ ﴾ إنما هو ميثاق بنى إسرائيل وكذلك هى قراءة عبد الله .

وإنكار بعضهم : ﴿ أَفَلَمْ يَاْيْئَسِ الذين ءامَنُواْ ﴾ ، إنما هى ” أو لم يتبين الذين آمنوا

وكما أنكر عمر على هشام بن الحكم لما رآه يقرأ سورة الفرقان على غير ما قرأها

وكما أنكر طائفة من السلف على بعض القراء بحروف لم يعرفوها ، حتى جمعهم عثمان على المصحف الإمام .

وكما أنكر طائفة من السلف والخلف أن الله يريد المعاصى ؛ لإعتقادهم أن معناه أن الله يحب ذلك ويرضاه ويأمر به .

وأنكر طائفة من السلف والخلف أن الله يريد المعاصى ، لكونهم ظنوا أن الإرادة لا تكون إلا بمعنى المشيئة لخلقها ، وقد علموا أن الله خالق كل شىء ، وأنه ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، والقرآن قد جاء بلفظ الإرادة بهذا المعنى وبهذا المعنى ، لكن كل طائفة عرفت أحد المعنيين وأنكرت الآخر ” ( ” مجموع الفتاوى ” ” 20/33 – 36 ” ) .

قال شيخ الاسلام بن تيمية ” مما يتعلق بهذا الباب أن يعلم الرجل العظيم فى العلم  والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم الى يوم القيامة وأهل البيت وغيرهم قد يحصل منهم نوع من الاجتهاد مقروناً بالظن ونوع من الهوى الخفى فيحصل بسبب ذلك ما لاينبغى اتباعه فيه وان كان من أولياء الله المتقين ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين طائفة تعظمه فتريد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه وطائفه تذمه فتجعل ذلك قادحاً فى ولايته وتقواه فى بره وكونه من أهل  الجنة بل فى إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان وكلا هذين الطرفين فاسد والخوارج والروافض وغيرهم من اهل البدع والأهواء دخل عليهم الداخل من هذا ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظم وأحبه وولاه وأعطى الحق حقه ، فيعظم الحق ويرحم الخلق ويعلم أن الرجل الواحد تكون له  حسنات وسيئات فيحمد ويذم ويثاب ويعاقب ويحب من وجه ويبغض من وجه ، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم ” ( ” منهاج السنة ” ( 4/543،544) ) .

 قال ابن القيم رحمه الله : ” ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعا أن الرجل الجليل الذى له فى الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان ، قد تكون منه الهفوة والذلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده ، فلا يجوز أن يتبع فيها ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته فى قلوب المسلمين “( إعلام الموقعين “3/283)

وقال الإمام بن القيم رحمه الله فى المدراج (2/39_40) وقد أشار إلى لبعض شطحات المخالفين ” وهذه الشطحات أوجبت فتنة على طائفتين من الناس :

إحداهما : حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ولطف نفسهم وصدق معاملتهم فأهدروها لأجل هذه الشطحات وأنكروها غاية الإنكار وأساؤوا الظن بهم مطلقاً وهذا عدوان وإسراف فلو كان كل من أخطأ أو غلط تٌُركجملةً وأهدرت محاسنة لفسدت العلوم والصناعات والحكم ونعطلت معالمها …) ثم ذكر رحمه الله الطائفة المضادة لما سبق وسماهم معتدين معرضين ثم قال والطائفة الثالثة : ( وهم أهل العدل والإنصاف والذين أعطوا كل ذى حق حقه وأنزلوا كل ذى منزلة منزلته فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد ) وقال أيضاً فى المدارج (1/198) فى سياق ذكر ما أخذ على أبى إسماعيل الهروى رحمه الله فقال ( ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه وإساءة الظن به فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم فى طريق السلوك المحل الذى لايجهل وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم والكامل من عٌد خطؤه ولا سيما فى مثل هذا المجال الضنك والمعترك الصعب الذى زلت فيه اقدام وضلت فيه أفهام وافترقت بالسالكين فيه الطرقات وأشرفوا إلا أقلهم على أودية المهلكات وكيف لا وهو البحر الذى تجرى سفينة راكبه فى موج كالجبال والمعترك الذى تضاءلت لشهوده شجاعته الأبطال وتحيرت فيه عقول ألباء الرجال ووصلت الخليقة إلى ساحله يبغون ركوبه ..إلخ )

وقد قال العلامة محمد بن العثيمين فى شرح الأربعين النووية ص292 ( الضلالات تنقسم إلى بدع مكفرة وبدع مفسقة وبدع يعذر فيها صاحبها

ولكن البدع الذى يعذر صاحبها لاتخرج عن كونها ضلالة ولكن يعذر صاحبها عن تأويل وحسن قصد

وأضرب مثلاً بحافظين معتمدين موثقين بين المسلمين وهما النووى وبن حجر رحمها الله

فالنووى لا نشك أن الرجل ناصح وأن له قدم فى الإسلام ويدل ذلك قبول مؤلفاته حتى إنك لاتجد مسجداً من مساجد المسلمين إلا ويقرأ فيه كتاب رياض الصالحين  وهذا يدل على القبول ولكنه رحمه الله أخطأ فى تأويل آيات الصفات حيث سلك مسلك المؤولة فهل نقول الرجل مبتدع ؟! نقول قوله بدعه ولكن هو غير مبتدع لأنه فى الحقيقة متأول والتأول إذا أخطأ مع اجتهاده فله أجر فكيف نصفه بأنه مبتدع وننفر الناس منه والقول غير القائل فقد يقول الإنسان كلمة الكفر ولا يكفر أرأيتم الرجل الذى أضل راحلته حتى أيس منها وأضجع تحت شجرة ينتظر الموت فإذا بالناقة على رأسه فأخذ بها وقال من شدة الفرح ” اللهم أنت عبدى وأنا ربك ” وهذه الكلمه كلمة كفر لكن هو لم يكفر قال النبى صلى الله عليه وسلم  ” أخطأ من شدة الفرح ” 

أما الحافظ الثانى : فهو بن حجر رحمه الله وبن حجر حسب ما بلغ علمى متذبذب فى الواقع أحياناً يسلك مسلك السلف واحياناً يسلك مسلك التأويل التى هى فى نظرنا تحريف مثل هذين الرجلين هل يمكن أن نقدح فيهما ؟! أبداً لكننا لا نقبل خطأهما خطؤهما شئ واجتهادهما شئ أخر أقول هذا لأنه نبتت نابتة قبل سنتين تهاجم هذين الرجلين هجوماً عنيفاً وتقول يجب إحراق ” فتح البارى ” وشرح صحيح مسلم للنووى ” أعوذ بالله كيف يجرؤ إنسان على هذا الكلام لكنه الغرور والإعجاب بالنفس واحتقار الأخرين

والبدعة المكفرة أو المفسقة لا نحكم على صاحبها أنه كافر أو فاسق حتى تقوم عليه الحجة لقول الله ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾” الإسراء 15ولو كان الإنسان يكفر ولم تقم عليه الحجة لكان يعذب وقال الله ﴿ رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ ” النساء 165 ” والآيات فى هذه كثيرة فعلينا أن متئد وألا نتسرع ونقول لشخص أتى ببدعة واحدة من آلاف السنن إنه مبتدع

{ التعليقات المفيدة على كتاب منهج الاشاعرة فى العقيدة لسفر الحوالى لأبو فهر  احمد بن سالم المصرى ص 30}

اغلب الفرق الضالة أهل السنة لم يكفروهم على التعيين :

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :

 ” وكذلك سائر الاثنتين وسبعين فرقة من كان منهم منافقًا فهو كافر في الباطن ، ومن لم يكن منافقًا بل كان مؤمنًا بالله ورسوله في الباطن لم يكن كافرًا في الباطن وإن أخطأ في التأويل كائنًا ما كان خطؤه . وقد يكون في بعضهم شعبة من شُعب النفاق ولا يكون فيه النفاق الذي يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار . ومن قال : إن الاثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يُكفر كفرًا ينقل عن الملة فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم ، بل إجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة فليس منهم من كفر كل واحد من الاثنتين وسبعين فرقة وإنما يكفر بعضهم بعضا ببعض المقالات ” . (مجموع الفتاوى 7 / 218 .)

قال ابن القيم  :

 فأما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام ولكنهم مخالفون في بعض الأصول كالرافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم فهؤلاء أقسام:

أحدها الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له فهذا لا يكفر ولا يفسق ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادرا على تعلم الهدى وحكمه حكم “المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا

القسم الثانيالمتمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق ولكن يترك ذلك اشتغالا بدنياه ورياسته ولذته ومعاشه وغير ذلك فهذا مفرط مستحق للوعيد آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات فإن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى ردت شهادته وإن غلب ما فيه من السنة والهدى قبلت شهادته.

القسم الثالث أن يسأل ويطلب ويتبين له الهدى ويتركه تقليدا وتعصبا أو بغضا أو معاداة لأصحابه فهذا أقل درجاته أن يكون فاسقا وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل.{((الطرق الحكمية في السياسة الشرعية)) لابن القيم – رحمه الله – (ص: 174، 175) وانظر نفس التفصيل في ((النونية شرح ابن عيسى)) (2/ 241، 244).}

 قلت يعنى أغلب الفرق الضالة  التى تفعل اكثر من  الصوفية وبعض جهلة المسلمين  اليوم العلماء لم يكفروهم على التعيين  ولم يكفروا عوامهم  فكيف يجرء أحد الشباب المتحمس على إطلاق التكفير على الناس دون ضوابط والاولى له ان يعلمهم ويفهمهم فنحن دعااااااااااااااااة وليس قضاااااااة  وواجبنا هو نشر الاسلام بفهمه الصحيح وأنقاذ أخواننا من مستنقعات الجهل والفهم السقيم والله المستعان

 

 

 

 

 

 

                     

Advertisements

About كريم إمام السلفى

^_^ محب للعلم وأهله مبغض الجهل وأهله

Posted on 08/10/2014, in مُدونات صديقة. Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

مدونة التاعب

أبو المُنتصر محمد شاهين التاعب: باحث في الأديان والعقائد والمذاهب الفكرية المعاصرة

مُكَافِح الشُّبُهات

أبو عمر الباحث - غفر الله له ولوالديه

مدونة أبوعمارالأثري

أبوعمار الأثري: طالب علم متخصص في نقد المسيحية ومقاومة التنصير والرد على الشبهات المثارة حول الإسلام العظيم

الرَّد الصَّرِيح عَلَى مَنْ بدَّل دِينَ المَسِيح

تَحتَ إِشْراف:المُدَافِع السَّلَفِي ــ أَيُّوب المَغْرِبِي

مدوّنة كشف النصارى

للحق دولة ، وللباطل جولة

%d مدونون معجبون بهذه: