الحرية فى الإسلام والليبرالية

 


تعريف الليبرالية

هي ترجمة للكلمة الإنجليزية  Liberalism  ومعناها : الحرية  والحرية في الفكر الليبرالي غاية ووسيلة .

الليبرالية كمصطلح 😦مذهب فكري يركز على الحرية الفردية فهى أيدولوجية وفلسفة سياسية واقتصادية تعتبر الحرية قيمتها الاساسية )

وهي تقوم على أسس تتضمن :

1.      الحرية الكاملة المطلقة للأفراد: والتي لا تقيدها قيود ، والتي من خلالها يحقق الفرد مصلحته  طالما ان حريته لا تعدٍ فيها على حرية الآخرين   

2.      استقلالية الفرد :  بتحرره من أي سيطرة أو تسلط ، من الدولة او المجتمع ، فلا تقيد إرادته بسلطة أو أعراف  ولا دين  

3.      العلمانية في الفكر : بفصل الدنيا عن الدين ، والاعتماد على العقل البشري في تقرير مصالح الفرد ومنافعه دون وصايا من سلطة دينيه .  

4.      التمسك بمبدأ التسامح وحيادية الدولة ، امام كل الأديان والمذاهب الفكرية ، فالأفراد لهم حرية الرأي والاعتقاد ،

نظرية الحق الطبيعي :  نظرية نادى بها المفكر الإنجليزي ( تومس هوبز )  :

 وتقوم على أن الطبيعة قد منحت كل إنسان كل الحق في فعل كل شيء  بلا قيود ، فالليبرالية تثبيت الحق الطبيعي في مواجهة الحق الإلهي .

أسباب ظهورها :

ظهرت الليبرالية كرد فعل للاستبداد الذي عانت منه اوروبا معظم فترات تاريخها  من تقاسم السلطة الحاكمة المستبدة المتمثلة في الاباطرة والملوك والسلطة الروحية المستبدة المتمثلة في المؤسسة الكاثوليكية وفي مقدمتها البابا وكبار رجال الدين حيث تقاسمت السلطتان كل الصلاحيات ، ولم يكن للأوربيين حرية التنقل والتجارة والعمل والاعتقاد ولا يأمن أحد عدم تعدي الاباطرة أو الملوك أو الإقطاعيين وأصحاب النفوذ أو الكنيسة على ممتلكاته . كما عانى أكثر الأوربيين من الاستبداد الاقتصادي لطبقة الإقطاعيين .   

استبداد الكنيسة في أوروبا :

منذ اعتناق أوروبا رسمياً للنصرانية بعد مجمع نيقية ( 325 م ) والكنيسة تمارس الطغيان الديني في أبشع صوره ، إذ نصبت نفسها عن طريق المجامع المقدسة إلهاً يحل ويحرم ، وليس لأحد حق الاعتراض أو إبداء أي رأي مخالف وإلا فالحرمان من الجنة عقوبته ، ومنحت الكنيسة نفسها حق الغفران ( بصكوك الغفران) لمن انقاد لها ، وحق الحرمان الجماعي لمن خالفها ،  .كما عانت أوروبا من محاكم التفتيش وكانت المحكمة الأم لها هي ( المحكمة المقدسة ) في روما ، والتي صاحبها أبشع أنواع النكال والتعذيب وأشد أضرب القساوة التي ترتعد القلوب والأوصال من ذكرها .

الاستبداد السياسي في أوروبا :

تبعاً لنظرية الحق الإلهي ، كان للكنيسة التي تحكم الناس وفق مشيئتها حقُ مباركة الاباطرة والملوك ، فيلزم الشعب طاعتهم ، فهم يحكمون بأمر السماء ، وظلت عروش أوروبا تتوارثها سلالات وعائلات لا يجرؤ أحد على منازعتهم الحكم ، او أن يتسأل لماذا يَحكُمون وبماذا يُحكَمون ؟

الاستبداد الاقتصادي في أوروبا :

ساد أوروبا نظام الاقطاع ، وازداد نفوز الملوك والنبلاء والأمراء ورجال الكنيسة وتوزعت عليهم الأراضي ؛ فتكونت الإقطاعيات التي من خلالها يتحكمون في الأكثرية من الناس ، . فسادَ أوروبا نظام طبقي عنصري وصارت المجتمعات مكونة من سادة ملاك وفلاحين معدمين.

تطور الفكر الليبرالي  واتجاهاته في أوروبا:

·     جاءت التحولات الفكرية في أوروبا متدرجة خلال عصر النهضة ، فبدأت بنزعة أدبية تميل إلى إحياء الآداب الإغريقية الوثنية اللادينية  في النحت والرسم والشعر دون تعرض للأوضاع الدينية والاجتماعية السائدة .

·     ثم كانت حركة مارتن لوثر الرافضة لاستبداد الكنيسة واحتكار رجال الدين لفهم الكتاب المقدس ، والذي ترتب عليها تأسيس المذهب البروتستانتي  في القرن السادس عشر الميلادي .

·     وقد غزى أوروبا الفكر التجريبي في مواجهة الفكر لدى الكنيسة المبني على الفلسفة اليونانية خاصة فلسفة ارسطو والتي تحولت إلى فكر ديني يحرم الخروج عليه ، فجاء ظهور الفكر التجريبي وسقوط المنطق الارسطي لتبدأ مع نهضة أوروبا العلمية التي قادتها إلى التحرر من سلطة الكنيسة والفكر الذي تروج له .

·     وجاء ظهور الطبقة الوسطى من التجار والحرفيين والصناع ليثوروا على نظام الاقطاع وسادته من الملاك في ظل فلسفة تقوم على الحرية الاقتصادية دون رقابة أو تدخل ، لتحول الليبرالية من فكر إلى واقع عملي .

·     أطلقت كلمة ( البرجوازية ) على طبقة اجتماعية ارتبطت تاريخياً بالمدن والقرى الكبيرة ذات الأسواق التجارية ، وهي ترمز إلى طبقة التجار واصحاب الأعمال والمحلات العامة ، التي قاومت الإقطاع وأصحاب الحق الإلهي في أوروبا ، وازدهرت مع زيادة التجارة الدولية عقب الحروب الصليبية والكشوف الجغرافية ، وتسلمت بزمام القيادة الاقتصادية والسياسة مع ظهور الثورة الصناعية ، لتعم أوروبا ، وتزدهر في القرن التاسع عشر ، وتسهم في ظهور الدولة القومية والديمقراطية والمجالس  النيابية والفكر الامبريالي . لتصبح هذه الطبقة المثل الأعلى

·     ملحوظة مهمة :  تطلق كلمة البرجوازية في الدول الاشتراكية على الرأسماليين المالكين لوسائل الانتاج في مقابل طبقة العمال ( البروليتاريا ) . أما طبقة الأثرياء في الدول الغربية فيطلق عليها الطبقة الارستقراطية .

·         بدأت الليبرالية بحريةِ العمل والتجارة والتنقل والتملك ، مما لم يكن متاحاً لعامة الناس من قبل ، وتطورت إلى حرية العبادة واختيار المذهب الديني ، وأعقبها ثورات نتج عنها ظهور الملكية الدستورية في انجلترا أواخر القرن السابع عشر، ثم الثورة الامريكية والثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.

·     جاءت الليبرالية الأولى ( الكلاسيكية ) ( التقليدية ) تنادى بالملكية الخاصة والأسواق الحرة والمنافسة الاقتصادية دون قيود ، وبالحد من تدخل الحكومات وغيرها في الاقتصاد وغيره .

·     وفي أعقاب أزمة الفساد العظيم في عام 1929 م وما بعدها وما ترتب عليها من نتائج ، تعالت أصوات مطالبة بدور إيجابي للدولة لا يترك المجتمع لوحشية الرأسماليين ، متبنيه لاتجاه يقدم بعض التنازلات خلال تطبيق الفكر الليبرالي ، ظهرت ( الليبرالية الاشتراكية ) أو (New Liberalism) في مقابــل ( الليبرالية الكلاسيكية ) .

·     ولأن الإنسانَ اجتماعيٌ بطبعه ، ولابد أن يعيش من خلال مجتمع ، فظهرت (الليبرالية الديمقراطية )  ( الليبرالية السياسية ) المنادية بأن الأفراد هم أساس المجتمع والقانون ، وان مؤسسات المجتمع تقوم على مرعاه الأفراد دون تحيز للطبقات الاجتماعية العليا ، من خلال الديمقراطية الليبرالية ، والعقد الاجتماعي الذي يقوم المواطنون من خلاله بوضع قوانين يلتزمون بها . أي تنظيم المجتمع سياسياً بما يوافق حرية الأفراد ويتجنب الديكتاتورية .

·     ( الليبرالية الدينية  ) : حركة فكرية ارتبطت بظهور المذهب البروتستانتي ، ترى انتهاج الفكر العقلاني في التعامل مع النصوص الدينية ، وأطلق عليها ليبرالية مع انها لا زالت حركة دينية ، لأنها تفسر الدين بطريق تتوافق مع الليبرالية العلمانية . وهي التي تطورت إلى حركة تجديد واسعة داخل الأديان الكبرى تنظر إلى الدين في ظل التقدم العلمي والثقافة المعاصرة على أنه يجب تأويل تعاليمه التقليدية وفق المفاهيم العلمية والفلسفية السائدة ، وهو ما يسمى بالعصرانية : (Modernism) .

·     (الليبرالية الثقافية ) :  التي تركز على حق الأفراد فيما يتعلق بأسلوب الحياة ، بما في ذلك قضايا الحرية الجنسية ، وحرية الاعتقاد وحرية المعرفة والحماية من تدخل الدولة في الحياة الخاصة للأفراد. وهي تعارض بوجه عام اشكال القيود المختلفة في الأدب والفن والجنس وتعاطي المسكرات. وتعد هولندا من أكثر دول العالم ليبرالية في هذا الاتجاه.

·         الليبرالية المعاصرة   : وهي مزيج من هذه الأنماط ، لا تقتصر على شكل واحد منها ، وهي السائدة  في دول العالم الأول حالياً .

·     (الليبرالية البراجمـــاتية ) : وهو اتجاه الليبرالية الأمريكية ، التي تتبنى الفلسفة القائمة على النتائج العملية في النظرة للحياة . بالتركيز على فردية الإنسان ونفعيته ، ومذهب المنفعة يقرر أن صواب أي عمل إنما يحكم عليه بمقدار ما يسهم في زيادة السعادة الإنسانية  أو تقليل من شقاء الإنسان ، بصرف النظر عن مراعاة الجوانب الدينية او الأخلاقية او التقاليد او السلطة او الضمير . فالمنفعة فكرة فلسفية لا تلتزم بالأصول الدينية في مقياس صواب العمل بقدر ما يحققه من منفعة وسعادة. وترى ان كل ما يلزم به الدين يمكن عن طريق قوة القانون وتأثير الرأي العام الحصول عليه .

حق التشريع وضوابط الحريات في الإسلام

·     يقوم دين الإسلام على إفراد الله تعالى بالعبادة ، والتي تقتضي امتثال ما أمره به في شريعته واجتناب ما نهى عنه ، إذ لا يسع أي مسلم أن يخرج عن شريعة الإسلام . وهذا في الإسلام من المسلمات.

والليبرالية ترفض ذلك ، فالفكر الليبرالي وإن لم يمنع المسلم أن يتدين فهو لا يمنع الإنسان من أن لا يتدين إن شاء ، ولو أظهر الإلحاد والكفر

·     والإسلام دين ودولة عبادات ومعاملات وشريعة ، وأحكامه تسري على كل من في دولة الإسلام ، وتطبيق أحكام الدين في المجتمع مسئولية الدولة ، ومهمة الحاكم : حراسة الدين وسياسة الدنيا  بشرع الإسلام ، وهو في هذا وكيل عن الأمة في القيام بذلك ، وهذا مما لا يجوز إنكاره

·         والآيات في وجوب عبادة الله تعالى ، احكامه والحكم بما أنزل في كتابه وفي سنة نبيه   كثيرة تؤكد على ذلك كل التأكيد :

قال تعالى: { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }النساء: 65

قال تعالى :   { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } المائدة 44

·         فالإنسان خُلق لعبادة الله ، ولم يخلق عبثاً ولم يترك سدى: لا يؤمر ولا ينهي ولا يلزم بشرع وعبادة.  

قال تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ (56) }الذاريات: ٥٦

قال تعالى : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ  }  المؤمنون: 115.

للحريات ضوابط في الإسلام :-

·     إن الإسلامَ يمنحُ الفردَ الحريةَ ، منحة ربانية وإن أعظم الحريات : حرية العقيدة  فمع أن الإسلام يقرر أن الإسلام هو الدين الحق ، وأن ما سواه من الديانات باطل قطعاً ، ولكنه يترك لغير المسلمين في دولة الإسلام حرية أن يعتقدوا ما شاءوا من عقائد دينهم للإسلام ، ولا يكره الإسلام الغير على الدخول فيه  فالإسلام بعيد عن الاستبداد والطغيان    قال تعالى : { لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } البقرة: ٢٥٦.

·     ودولة الإسلام ترمي مواطنيها على حرية ابداء الرأي وتأخذ بالمشورة وعلى هذا كان نهج النبي   من أصحابه مع كونه أكمل الناس عقلاً واكثرهم علماً ، فكانت المشورة يوم بدر وفي اسراه ، ويوم أحد ، وغزوة الخندق وغير ذلك كثير ، وعلى هذا كان نهج الخلفاء الراشدين من بعده ولهذا قرر العلماء الشورى كمبدأ في الدولة الإسلامية يجعل الأمة تشارك حكمها في مسئولية الحكم واعباءه .

·     ودولة الإسلام تقوم على المساواة ، فالكل أمام الشرع سواء ، فهي دولة تهتم بالعدل ومنع الظلم ، في علاقة الفرد بالدولة ، وعلاقة الحاكم بالمحكوم ، فلا تعدي على حقوق الأفراد ولا ظلم لهم ولا استقلال لنفوذ .وإلا فهو خروج عن شرع الله تعالى ، قال تعالى :  { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } المائدة: ٨

·     والحرية في الإسلام قبل ذلك وبعده حرية فيها مسئولية ، لا مكان للفوضى فيها ، ولا تسمح بالإفراط من المصالح الشخصية على حساب الجماعة ، و لا تقبل عدم الانضباط بشرع الله تعالى الذي شرعه لعباده ، لخير الأمة ككل ، ومصلحة المجتمع . فلا عبودية من انسان لإنسان ، ولا عبودية من الانسان لهواه ،وانما التزام بشرع بَيِّنَ الحقوق ووضِّح الواجبات ، ووازن بين حق الفرد على المجتمع ، وحق المجتمع على الفرد .

·     ولا يخفى أنه عندما كانت أوروبا تحت طغيان الكنيسة ، والملوك والاقطاعيين عبر قرون طويلة كان المسلمون  ينعمون في ظل الإسلام بالحرية والأمن والأمان والعدل والاستقرار والسعادة. ولم يعرف المسلمون في تلك الفترة التي عاشتها أوروبا في انحطاط وتأخر وجمود ما شهدته أوروبا من طغيان واستبداد ديني أو سياسي أو اقتصادي كما شهدته أوروبا حتى في الفترات التي حكمها فيه بعض الحكام الظلمة ، أو ضعف فيها العمل بشرع الإسلام ويشهد على ذلك حكم الأندلس  

 

 

Advertisements

About كريم إمام السلفى

^_^ محب للعلم وأهله مبغض الجهل وأهله

Posted on 23/09/2014, in مُدونات صديقة. Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

مدونة التاعب

أبو المُنتصر محمد شاهين التاعب: باحث في الأديان والعقائد والمذاهب الفكرية المعاصرة

مُكَافِح الشُّبُهات

أبو عمر الباحث - غفر الله له ولوالديه

مدونة أبوعمارالأثري

أبوعمار الأثري: طالب علم متخصص في نقد المسيحية ومقاومة التنصير والرد على الشبهات المثارة حول الإسلام العظيم

الرَّد الصَّرِيح عَلَى مَنْ بدَّل دِينَ المَسِيح

تَحتَ إِشْراف:المُدَافِع السَّلَفِي ــ أَيُّوب المَغْرِبِي

مدوّنة كشف النصارى

للحق دولة ، وللباطل جولة

%d مدونون معجبون بهذه: