تتبعُ (رُخَصِ) العلماء في التكفير

 

هناك تتبعٌ لرخص العلماء ، وقالوا في التنفير منها : من تَـتَـبَّـعَ الرُّخصَ تزندق !

ويعنون بالرخص : زلات التسهيل التي قد تقع من العلماء ، والأخطاء المتيقنة التي تميل بهم إلى جانب ترك فرض أو إباحة محرّم .

لكني لم أجدهم قد تكلموا عن تتبع غلو العلماء ، أي عن ما قد يصدر من بعض العلماء من أخطاء غير معتبرة (باجتهادٍ لا يسوغ) في جانب التشدد والتنطع !

فأسباب وقوع زلات الترخيص من بعض أهل العلم ، من الغفلة والنسيان وغلبة النواقص البشرية عليهم ، هي نفسها يجب أن تُـجيز وقوعَ زلات التنطع منهم ! وقد وقعت منهم زلات التشديد فعلا ، وأمثلتها لا تخفى قديما وحديثًا !!

ولكن كما كانت زلات الترخيص قليلة من العالم الحقيقي ، لكن هي مع ندرتها ما زالت موجودة ؛ فكذلك ينبغي أن تكون زلات التزمُّت والتشديد : فليس الإقرار بوجودها مما يعني كثرتها لدى أهل العلم ، ولا تقرير نُدرتها مما يعني انعدامها عندهم !

فلماذا إذن لم نجد كلاما في التحذير من تتبع تشددات العلماء ؟ مع خطورته ، ومع وجوده لدى أهل الغلو في كل عصر وأوان ؟!!

سؤال يحتاج محاكمة التراث عليه ! فليس تحليل الحرام بأشد خطرا من تحريم المباح ! إلا من جهة أن الأنفس غالبا ما تميل إلى التسهيل والشهوات ، لكن هذا لا يُنسينا أن التديّن أصبح في العصور المتأخرة (بسبب خلل التصورات عنه) يميل إلى التشدد ، فتجد أكثر الناس يتعاطف مع تدين التشديد ، على أنه ورع ومزيد تديّن ، ولا يتعاطفون مع تديّن التسهيل بمنطلق أنه سماحة ورحمة ، بل يصنفونه على أنه قلّةُ ديانة وتفلّتٌ عن الالتزام . وشيوع هذا الخلل ، وبصور عديدة ، يجعل خطر تتبع التشدد أخطر من تتبع الرخص . ولهذا وجب التنبيه على خطر تتبع فتاوى الغلو والتزمّت ، كما كنا قد نبهنا عن خطر تتبع رخص التفلّت والشهوات .

وفي هذا السياق نذكر أيضا : أنه كما وُجد تتبعٌ لزلات العلماء في الرخص والتسهيل ، وكما وجد تتبعٌ لزلاتهم في التشديد أيضا ، فإنه يوجد كذلك تتبعٌ لزلاتهم في التكفير والإخراج من الملة !!

فتجد بعضهم يفرح بعبارة التكفير لعالم أو مصنف ، حنفيا كان أو مالكيا أو شافعيا أو حنبليا ، مادامت تؤيد ما يريد ، ويطير بها ؛ مهما كان قد تعقب ذلك العالمَ فيها أصحابُه في مذهبه ، ومهما شذّذوها وبينوا بطلانها !!

فالمهم عند متتبع زلات التكفير هذا أنه قد وجد من وافقه في تكفيره ، كما يفعل متتبع رخص العلماء في التسهيل والشهوات تماما !!

ومن أمثلة زلات العلماء في ذلك :

تكفير من شك في كفر بعض المخطئين من أهل الشهادتين : كقول سفيان بن عيينة ويزيد بن هارون وأبي خيثمة كلاما يشبه بعضه بعضا : ((مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ فَهُوَ كَافِرٌ)) . فإنهم إن قصدوا تنزيل هذا الحكم على أعيان القائلين مطلقا ، فلا شك في أنهم مخطئون في تكفيرهم ، وقد خالفهم أئمة السنة فيه كالإمام أحمد (من السابقين) وشيخ الإسلام ابن تيمية (من المتأخرين) ، فضلا عن تكفير من لم يكفرهم ، فضلا عمن شك في كفرهم . أما إن قصدوا تكفير المقالة فقط ، فعبارتهم خاطئة قطعا ، وكان يجب عدم إطلاقها بهذا الإيهام والتعميم .

فلا مناص من الاعتراف بغلط تلك العبارات منهم ، ومن عدم جواز اتباعهم فيها .

وعبارة أبي زرعة أقرب للعدل من هذه الإطلاقات عندما قال : ((مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ. وَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ مِمَّنْ يَفْهَمُ فَهُوَ كَافِرٌ)) ، فقوله  (ممن يفهم ) قد خفف من زلل تلك الإطلاقات .

وقد عاب ابن قتيبة هذا التشدد ، فقال في كتابه (الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة) فقال : ((وقد بُلي بالفريقين المستبصرُ المسترشدُ ، وبإعناتهم ومحنتهم وإغلاظهم لمن خالفهم ، وإكفاره ، وإكفار من شك في كفره!!)) .

ومن أمثلة زلات العلماء التي تتبعها الغلاة أيضًا : قول ابن حزم بتكفير من ساكن الكفار في حالة غلبتهم وعدم عجزه عن الهجرة .

وغير ذلك من الأمثلة التي تجد توسعها في تكفير من شك في كفر من كفروه من أهل الشهادتين !!

فإن كان (من تتبع الرخص تزندق) ، فمن تتبع زلات التكفير ، فكفّر المسلمين : فهو أولى بالخوف عليه من مآل متتبع الرخص : بالدليل الشرعي ( نقله وعقله) ، لا بمجرد اجتهادات العلماء ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : ((إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ ، فَقَدْ ‏ ‏بَاءَ ‏ ‏بِهِ أَحَدُهُمَا )) ، كما أن تكفير المسلمين أعظم جرما من أكثر المعاصي ، التي قد يقع فيها متتبع الرخص . فكيف لا يكون تتبعُ زلات التكفير أخطر من تتبع زلات الشهوات !! 

وسيكون لي قريبا (بإذن الله) مقالٌ جديد عن تتبع زلات العلماء في تكفير من شك في كفر من كفّروه من أهل الشهادتين .

 الشيخ الشريف حاتم بن عارف العوني

 

Advertisements

About كريم إمام السلفى

^_^ محب للعلم وأهله مبغض الجهل وأهله

Posted on 09/09/2014, in أخر كتابات كريم إمام السلفى. Bookmark the permalink. أضف تعليق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

مدونة التاعب

أبو المُنتصر محمد شاهين التاعب: باحث في الأديان والعقائد والمذاهب الفكرية المعاصرة

مُكَافِح الشُّبُهات

أبو عمر الباحث - غفر الله له ولوالديه

مدونة أبوعمارالأثري

أبوعمار الأثري: طالب علم متخصص في نقد المسيحية ومقاومة التنصير والرد على الشبهات المثارة حول الإسلام العظيم

الرَّد الصَّرِيح عَلَى مَنْ بدَّل دِينَ المَسِيح

تَحتَ إِشْراف:المُدَافِع السَّلَفِي ــ أَيُّوب المَغْرِبِي

مدوّنة كشف النصارى

للحق دولة ، وللباطل جولة

%d مدونون معجبون بهذه: